هل ينجح الخليج وآسيان والصين في تثبيت المثلث؟

| عبدالله بوقس

 في ردهات كوالالمبور التي غسلتها أمطار مايو ولامستها رطوبة استوائية مألوفة، اجتمع قادة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون لدول الخليج العربية وجمهورية الصين الشعبية، تحت قبتين، ثنائية وثلاثية، هندسها الاقتصاد ورافقتها ارتدادات السياسة. هناك، تبلور ما يمكن وصفه بمثلث تحوّلات جديد تقوده ثلاث قوى صاعدة في الجنوب العالمي، تسعى لإعادة تموضعها في نظام اقتصادي عالمي مضطرب، عبر شراكة تتجاوز المحاور التقليدية نحو توازن أكثر تنوعًا واستقلالًا. عكست القمة الثنائية بين آسيان ومجلس التعاون، والقمة الثلاثية التي انضمت فيها الصين، رغبة صادقة في تعزيز التعاون الإقليمي، في لحظة يتزايد فيها الغموض في النظام الاقتصادي العالمي وتتسارع فيها التحولات الجيوسياسية.  وبرغم بوادر الانفراج النسبي في بعض الملفات بين بكين وواشنطن، فإن التنافس الاستراتيجي بين القوتين لا يزال يلقي بظلاله على المشهد العالمي. وفي هذا السياق، يُعدّ التعاون الثلاثي محاولة متقدمة لبناء شراكة أكثر توازنًا، تستند إلى المصالح والتحولات المشتركة، وتُسهم في صياغة نماذج تعاون متعددة الأطراف قادرة على التكيّف مع عالم متغير، بعيدًا عن المحاور التقليدية والاستقطابات الكبرى. البيان الختامي للقمتين شدّد على وقف النار بغزة، والإفراج عن المعتقلين، وتعزيز العدالة الإنسانية والحوار الثقافي والتنمية المستدامة، فيما رسم الجانب الاقتصادي ملامح تكامل ثلاثي، وبرزت بين طيات البيان مبادرات واعدة كـ “آسيان 2045”، وقمة الغذاء، ومؤتمر فلسطين المرتقب في يونيو بنيويورك. كما دعا البيان إلى دعم منظمة التجارة العالمية، وتسريع اتفاقيات التجارة الحرة، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتأسيس مجلس أعمال إقليمي، وتفعيل المدفوعات المحلية، ومكافحة الفساد ضمن رؤية تكامل اقتصادي ثلاثي أكثر مرونة واستقلالية. وأبرز البيان أهمية تسريع التحول في الطاقة وفق اتفاق باريس، وتطوير الطاقة النظيفة والنووية، وتعزيز الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، مع التركيز على الزراعة المستدامة، وأمن الغذاء، واحترام معايير الأغذية الحلال لمستقبل متوازن. ومع ذلك، تبقى المعضلة قائمة في فجوة التنفيذ؛ فالتوافق العام، مهما بدا منسجمًا على الورق، لا يضمن وحده تحويل المبادرات إلى مشاريع حقيقية ما لم يُدعَم بخطط زمنية واضحة وآليات متابعة دقيقة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، خاصة في ملفات تتقاطع فيها المصالح الوطنية مع التحولات العالمية، مثل التجارة العابرة للقارات والطاقة المستدامة. تعيد كوالالمبور، بكل ما مثّلته من رمزية سياسية وزخم دبلوماسي، رسم خط انعطاف حاسم في مسار العلاقات الخليجية–الآسيانية–الصينية؛ لا باعتبارها مجرد محطة تجمع عابرة، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًّا لقدرة هذا المثلث الصاعد على تثبيت أركانه في خريطة النظام العالمي الجديد. فنجاح التحول من تفاهمات مرحلية إلى منصة استراتيجية دائمة، مرهون بترجمة الرؤى إلى آليات تنفيذ، وبالانتقال من التناغم الخطابي إلى تكامل فعلي. فهل ينجح الخليج وآسيان والصين في تثبيت المثلث؟