يا نار.. هل كنت بردًا وسلامًا على ورد؟

| سليم مصطفى بودبوس

قالوا‭ ‬سلاما‭.. ‬واحتموا‭ ‬بـ‭ ‬“مدرسة‭ ‬فهمي‭ ‬الجرجاوي”‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تؤوي‭ ‬نازحين‭ ‬في‭ ‬“حي‭ ‬الدرج”‭ ‬وسط‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬قالوا‭ ‬سلاما‭ ‬وناموا‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬ينام‭ ‬الأطفال‭ ‬يعانقون‭ ‬أحلام‭ ‬الطفولة،‭ ‬قالوا‭ ‬سلاما‭ ‬وناموا‭ ‬تحت‭ ‬وقع‭ ‬الانتظار‭ ‬المرعب؛‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬ممكن،‭ ‬قالوا‭ ‬سلاما‭ ‬ولم‭ ‬يناموا‭ ‬سوى‭ ‬سويعات‭ ‬ليستيقظ‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬دوي‭ ‬أربعة‭ ‬صواريخ‭ ‬حارقة،‭ ‬أسفرت‭ ‬استشهاد‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬شخصًا،‭ ‬بينهم‭ ‬ستة‭ ‬أطفال‭.‬

وتعوّدنا‭ ‬المشهد؛‭ ‬فمن‭ ‬شدة‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬صارت‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬فينا‭ ‬حيث‭ ‬ننام‭ ‬هانئين‭ ‬مستمرئين‭ ‬طعم‭ ‬المرارة‭ ‬وغصة‭ ‬الهوان‭.. ‬نعم‭ ‬تعوّدنا‭ ‬المشهد‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬توقظ‭ ‬ضمائرنا‭ ‬حتّى‭ ‬المشاهد‭ ‬الهوليودية،‭ ‬مشاهد‭ ‬الرعب،‭ ‬مشاهد‭ ‬الطفولة‭ ‬الموءودة‭ ‬تحت‭ ‬نيران‭ ‬الاحتلال،‭ ‬أو‭ ‬ربّما‭ ‬أيقظت‭ ‬بعضنا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مشاهد‭ ‬مرعبة‭ ‬للطفلة‭ ‬ورد‭ ‬جلال‭ ‬الشيخ‭ ‬خليل،‭ ‬الناجية‭ ‬الوحيدة‭ ‬من‭ ‬عائلتها،‭ ‬والتي‭ ‬فقدت‭ ‬ستة‭ ‬من‭ ‬إخوتها‭ ‬وأخواتها‭ ‬في‭ ‬المجزرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬هؤلاء‭ ‬النازحين‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬للاجئين‭. ‬والحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬عشرات‭ ‬الحالات‭ ‬بل‭ ‬مئات‭ ‬الحالات‭ ‬لأطفال‭ ‬فلسطينيين‭ ‬قُتلوا‭ ‬برصاص‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ولآخرين‭ ‬تفحّموا‭ ‬بنيران‭ ‬صواريخه،‭ ‬وآلاف‭ ‬تيتّموا،‭ ‬وأسماء‭ ‬كثيرة‭ ‬وكثيرة‭ ‬جدًّا‭ ‬من‭ ‬محمّد‭ ‬الدرة‭ ‬منذ‭ ‬40‭ ‬سنة‭ ‬تقريبًا‭ ‬إلى‭ ‬ورد‭ ‬جلال‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬أو‭ ‬يزيد‭ ‬وغيرهم‭ ‬كثير‭ ‬ممّن‭ ‬هزّت‭ ‬مشاهدهم‭ ‬العالم‭ ‬أياما‭ ‬ثم‭ ‬أقعدته‭ ‬وكأنّ‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭.‬

‭ ‬نعم،‭ ‬تحرّكت‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬مشهد‭ ‬الورد‭ ‬المحترق‭ ‬صفحات‭ ‬العالم‭ ‬الأزرق،‭ ‬بكائيات‭ ‬ودعوات‭.. ‬وتحركت‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬الداعية‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬وإيقاف‭ ‬الحرب،‭ ‬واعتبروا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الدرج‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭ ‬واضحة‭ ‬ممنهجة‭ ‬وسياسة‭ ‬عقاب‭ ‬جماعي‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وبشكل‭ ‬خاصّ‭ ‬ضد‭ ‬الأطفال‭ ‬العزّل،‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬اعتبار‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭.

نعم‭ ‬صدحت‭ ‬أصوات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البرلمانات‭ ‬الغربية‭ ‬بالحق،‭ ‬ورفعت‭ ‬صور‭ ‬أطفال‭ ‬غزة،‭ ‬ورثى‭ ‬بعض‭ ‬النواب‭ ‬طفولتهم‭.. ‬أما‭ ‬الأفعال‭ ‬فتتواصل‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية‭ ‬السليبة‭: ‬إبادة،‭ ‬تجويع،‭ ‬مهانة،‭ ‬إذلال،‭ ‬انتقام‭ ‬سافر‭ ‬من‭ ‬المدنيّين،‭ ‬عربدة‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬في‭ ‬نابلس‭ ‬في‭ ‬جنين‭.. ‬أفعال‭ ‬يباركها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الصمت‭ ‬العالمي‭ ‬والواقع‭ ‬العملي،‭ ‬ولا‭ ‬تؤثر‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬المبحوحة‭ ‬هنا‭ ‬والمجروحة‭ ‬هناك،‭ ‬ولا‭ ‬صفحات‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضيّ‭.‬

نعم‭ ‬كانت‭ ‬النار‭ ‬بردًا‭ ‬وسلامًا‭ ‬على‭ ‬“ورد”،‭ ‬وحفظها‭ ‬الله‭ ‬وأنقذها‭ ‬من‭ ‬ألسنة‭ ‬اللهب،‭ ‬وربما‭ ‬من‭ ‬التشوّه،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬نجا‭ ‬قلبها‭ ‬الصغير‭ ‬من‭ ‬الصدمة؟‭ ‬وهل‭ ‬ستنطفئ‭ ‬النار‭ ‬التي‭ ‬التمعت‭ ‬في‭ ‬عينيها؟‭ ‬وهل‭ ‬سيتفتّح‭ ‬الـ‭ ‬“ورد”‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين؟‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُطفئ‭ ‬لهيب‭ ‬الحزن‭ ‬في‭ ‬قلوبنا،‭ ‬ولا‭ ‬مرارة‭ ‬القهر،‭ ‬ولا‭ ‬ثقل‭ ‬العجز‭!.‬

 

كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية