الغيرة والحسد.. حين تُختبر معادن الناس

| زهير توفيقي

‭ ‬موضوع‭ ‬مقالي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬الكريم،‭ ‬فقد‭ ‬تطرّقت‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وأود‭ ‬تكرار‭ ‬طرحه‭ ‬لعلّ‭ ‬وعسى‭ ‬أحقق‭ ‬تقدمًا‭ ‬في‭ ‬النوايا‭. ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬“وذكّر‭ ‬فإن‭ ‬الذكرى‭ ‬تنفع‭ ‬المؤمنين”‭. ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬المواقف‭ ‬اليومية‭ ‬البسيطة‭ ‬حقيقة‭ ‬النفوس،‭ ‬وتُظهر‭ ‬لنا‭ ‬المعادن‭ ‬الأصيلة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المُقلَّدة‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬الأخبار‭ ‬السعيدة‭ ‬والحزينة‭ ‬تنتقل‭ ‬في‭ ‬لحظتها‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بات‭ ‬سلوك‭ ‬الناس‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬مقياسًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬لصفاء‭ ‬القلوب‭. ‬قد‭ ‬تفرح‭ ‬لنجاح‭ ‬صديق،‭ ‬أو‭ ‬شفاء‭ ‬مريض،‭ ‬أو‭ ‬تخرج‭ ‬ابن‭ ‬أحدهم،‭ ‬وتُبادر‭ ‬بتهنئة‭ ‬أو‭ ‬دعاء‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بإشارة‭ ‬إعجاب‭.. ‬لكنك‭ ‬تفاجأ‭ ‬بصمت‭ ‬مطبق‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭! ‬لا‭ ‬تهنئة،‭ ‬لا‭ ‬تعليق،‭ ‬لا‭ ‬تفاعل،‭ ‬وكأن‭ ‬الفرح‭ ‬لك‭ ‬يثقل‭ ‬على‭ ‬البعض،‭ ‬وكأن‭ ‬الكلام‭ ‬الطيب‭ ‬بات‭ ‬عملة‭ ‬نادرة‭!‬

‭ ‬في‭ ‬اعتقادي،‭ ‬هذا‭ ‬البخل‭ ‬العاطفي‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬اجتماعية‭ ‬عميقة،‭ ‬فالصمت‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬التهاني‭ ‬أو‭ ‬المواساة‭ ‬ليس‭ ‬حيادًا،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يُقرأ‭ ‬كجفاء،‭ ‬أو‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كحسدٍ‭ ‬مقنّع‭. ‬والمحصلة؟‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬وتراجع‭ ‬حرارة‭ ‬العلاقات،‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬النفسية‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬إن‭ ‬طاقة‭ ‬الحقد‭ ‬لن‭ ‬توصل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬مكان،‭ ‬لكن‭ ‬طاقة‭ ‬الصفح‭ ‬التي‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬ستحوّل‭ ‬حياته‭ ‬بشكل‭ ‬إيجابي‭. ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬“الكلمة‭ ‬الطيبة‭ ‬صدقة”،‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬بسيطة‭ ‬قد‭ ‬تصنع‭ ‬أثرًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬إنسان‭. ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أغنياء‭ ‬لنعطي،‭ ‬فمجرد‭ ‬كلمة‭ ‬تشجيع،‭ ‬أو‭ ‬مشاركة‭ ‬صادقة،‭ ‬أو‭ ‬دعاء‭ ‬مكتوب،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬وقع‭ ‬السكينة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬متعب،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬دافعًا‭ ‬لمن‭ ‬أنجز‭ ‬ليواصل‭ ‬طريقه‭.

‭ ‬للأسف‭ ‬الشديد،‭ ‬يظن‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬تهنئة‭ ‬الآخرين‭ ‬تنقص‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬إظهار‭ ‬الفرح‭ ‬لنجاح‭ ‬غيره‭ ‬يُشعره‭ ‬بالدونية،‭ ‬وهذا‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬المفهوم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬السلوك‭. ‬فالرزق‭ ‬بيد‭ ‬الله،‭ ‬والفرح‭ ‬لا‭ ‬يُوزّع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أحد،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬تفرح‭ ‬لغيرها‭ ‬هي‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬طعم‭ ‬الراحة‭ ‬والرضا‭.‬

فنحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التأمل‭ ‬لندرك‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭. ‬خذ‭ ‬مثلًا‭ ‬إعلان‭ ‬أحدهم‭ ‬ترقيته‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬أو‭ ‬احتفاله‭ ‬بزفاف‭ ‬ابنه،‭ ‬أو‭ ‬شفاءه‭ ‬من‭ ‬وعكة‭ ‬صحية‭.. ‬كم‭ ‬شخصًا‭ ‬يفرح‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬قلبه؟‭ ‬وكم‭ ‬يمر‭ ‬الخبر‭ ‬عليهم‭ ‬وكأنه‭ ‬لا‭ ‬يعنيهم،‭ ‬بل‭ ‬وربما‭ ‬يُخفي‭ ‬بعضهم‭ ‬امتعاضه‭ ‬بابتسامة‭ ‬صفراء‭ ‬أو‭ ‬تجاهل‭ ‬متعمد؟

تخيلوا‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأصدقاء‭ ‬اشتكى‭ ‬لي‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬بأن‭ ‬ابنته‭ ‬تخرجت‭ ‬بامتياز‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬مرموقة،‭ ‬وقد‭ ‬حرص‭ ‬كغيره‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ينشر‭ ‬الخبر‭ ‬مع‭ ‬صورة‭ ‬جميلة‭ ‬تجمعه‭ ‬مع‭ ‬ابنته‭ ‬وعائلته‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬المحلية‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬فرحته‭ ‬وزوجته‭ ‬لهذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬الكبير‭ ‬لابنتهما‭. ‬ولكنهم‭ ‬تفاجأوا‭ ‬بأنهم‭ ‬تلقوا‭ ‬التهاني‭ ‬والتبريكات‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬وليس‭ ‬القريب‭! ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعتبرهم‭ ‬قريبين‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬لها‭ ‬لم‭ ‬يحرك‭ ‬فيهم‭ ‬الخبر‭ ‬ساكنًا‭! ‬تخيلوا‭ ‬معي‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬المحبط‭ ‬الذي‭ ‬يعطينا‭ ‬إشارة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬غير‭ ‬عن‭ ‬الحسد‭ ‬والغيرة‭! ‬ألا‭ ‬تتفقون‭ ‬معي؟

‭ ‬والحال‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفعاليات‭ ‬والمناسبات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الذوق‭ ‬والأصول‭ ‬والسنع‭ ‬والإتيكيت‭! ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬وليس‭ ‬الحصر،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يتلقون‭ ‬دعوات‭ ‬لحضور‭ ‬مناسبات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يلتزمون‭ ‬بالحضور‭ ‬ولا‭ ‬يكلفون‭ ‬أنفسهم‭ ‬حتى‭ ‬الاعتذار‭! ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتلق‭ ‬الدعوة‭ ‬فإنه‭ ‬يقيم‭ ‬الدنيا‭ ‬ويقعدها،‭ ‬ويصب‭ ‬جام‭ ‬غضبه‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬الدعوة‭! ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬واقعنا‭ ‬المر،‭ ‬وأقولها‭ ‬بحسرة‭ ‬شديدة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الصفات‭ ‬والطباع‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬اليوم‭.‬

ولكي‭ ‬أثبت‭ ‬للقارئ‭ ‬تأثير‭ ‬الكلمة‭ ‬الطيبة‭ ‬وجبر‭ ‬الخواطر،‭ ‬دعوني‭ ‬أرجع‭ ‬إلى‭ ‬مقالي‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬بتاريخ‭ ‬23‭ ‬مايو‭ ‬الجاري‭ ‬بعنوان‭ ‬“فاطمة‭... ‬أرفع‭ ‬لك‭ ‬القبعة”،‭ ‬فعندما‭ ‬قرّرت‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬الملهمة‭ ‬كان‭ ‬هدفي‭ ‬هو‭ ‬إبرازها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬نموذج‭ ‬ومثال‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الصبر‭ ‬والإرادة‭ ‬القوية‭ ‬والعزيمة‭. ‬فموضوع‭ ‬مقالي‭ ‬كان‭ ‬منصبًّا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إيصال‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الخاصة‭ ‬عندنا‭ ‬بضرورة‭ ‬منحها‭ ‬فرصة‭ ‬الدراسة‭ ‬والتكفل‭ ‬بمصاريف‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬مساعدتها‭ ‬بإعطائها‭ ‬تخفيضًا‭ ‬على‭ ‬الرسوم‭.‬

كاتب‭ ‬المقال‭ ‬تواصل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬الفاضلة‭ ‬وتكلم‭ ‬معها‭ ‬هاتفيا‭ ‬ليخبرها‭ ‬عن‭ ‬المقال‭ ‬الذي‭ ‬نشره‭ ‬عنها‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬تفاجأت‭ ‬بالمكالمة‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة‭ ‬ومن‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭ ‬أصلاً،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أعربت‭ ‬عن‭ ‬تقديرها‭ ‬واعتزازها‭ ‬لهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬التي‭ ‬حسب‭ ‬وصفها‭ ‬تمثل‭ ‬جرعة‭ ‬إيجابية‭.‬

تفاجأت‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬بمكالمة‭ ‬هاتفية‭ ‬منها‭ ‬ولكم‭ ‬أن‭ ‬تتخيلوا‭ ‬كم‭ ‬كانت‭ ‬سعيدة‭ ‬وممتنة‭ ‬لي،‭ ‬وبصراحة‭ ‬تامة‭ ‬كانت‭ ‬تتكلم‭ ‬معي‭ ‬وهي‭ ‬تشكر‭ ‬وتشكر‭ ‬وتشكر‭ ‬وتدعو‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ ‬أن‭ ‬يحميني‭ ‬ويوفقني‭ ‬ويسبغ‭ ‬علي‭ ‬ثوب‭ ‬الصحة‭ ‬والعافية،‭ ‬لم‭ ‬تعطني‭ ‬فرصة‭ ‬للتحدث‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬أحد‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭ ‬بالكتابة‭ ‬عن‭ ‬قصتها‭.‬

بالله‭ ‬عليكم،‭ ‬كم‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬إنسانة‭ ‬بسيطة‭ ‬جدًّا‭ ‬تدعو‭ ‬لك‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬عند‭ ‬الله‭. ‬لقد‭ ‬قصدت‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬لأثبت‭ ‬أهمية‭ ‬الكلمة‭ ‬الطيبة‭ ‬وجبر‭ ‬الخواطر،‭ ‬وتذكروا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قمت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬لم‭ ‬يكلفن‭ ‬شيئًا‭! ‬كلي‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬حلمها‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬منحة‭ ‬الدراسة‭ ‬الجامعية‭ ‬نظرًا‭ ‬لأن‭ ‬ظروفها‭ ‬المادية‭ ‬صعبة‭ ‬جدًّا‭. ‬وأنا‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬بأن‭ ‬الدنيا‭ ‬بخير‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأيادي‭ ‬البيضاء‭ ‬لا‭ ‬يدخرون‭ ‬جهدًا‭ ‬في‭ ‬مساعدتها‭.‬

الخلاصة‭... ‬إن‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬“الكلمة‭ ‬الطيبة”‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬اجتماعيًّا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تماسكنا‭ ‬الإنساني‭. ‬لنتذكّر‭ ‬دومًا‭ ‬أن‭ ‬التفاعل‭ ‬الإيجابي‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬لأي‭ ‬مجتمع‭ ‬سليم،‭ ‬وتذكروا‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬“معاملة”‭.. ‬والكلام‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬جارة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني