القانون والصناعة المصرفية وقطاع الأعمال

| د. عبدالقادر ورسمه

كلنا‭ ‬يذكر‭ ‬الأزمة‭ ‬الحادة‭ ‬التي‭ ‬تعرّضت‭ ‬لها‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬بسبب‭ ‬أزمة‭ ‬“الضمانات‭ ‬العقارية”،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬المصرفية‭. ‬وكردّ‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الانهيارات،‭ ‬قام‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬“أوباما”‭ ‬بتوقيع‭ ‬“قانون‭ ‬إصلاح‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬وحماية‭ ‬المستهلك”،‭ ‬المعروف‭ ‬اختصارًا‭ ‬باسم‭ ‬“قانون‭ ‬دود–فرانك”‭.‬

ويتمثل‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التشريع‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬نقاط،‭ ‬أهمها‭ ‬وضع‭ ‬معايير‭ ‬جديدة‭ ‬للشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬البورصات،‭ ‬والبنوك،‭ ‬وشركات‭ ‬التأمين،‭ ‬بهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعصف‭ ‬بها،‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المخاطر‭ ‬والحدّ‭ ‬من‭ ‬آثارها‭.‬

وقد‭ ‬اتفقت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬قانون‭ ‬“دود–فرانك”‭ ‬يُعد‭ ‬بداية‭ ‬جيدة‭ ‬في‭ ‬سعي‭ ‬الحكومة‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬وتعزيز‭ ‬استقلاليته،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬القانون‭ ‬يتضمن‭ ‬تكوين‭ ‬“مجلس‭ ‬أعلى”‭ ‬من‭ ‬الوكالات‭ ‬الفيدرالية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعض‭ ‬الأعضاء‭ ‬المستقلين‭.‬

وتتمتع‭ ‬الجهات‭ ‬المُشكِّلة‭ ‬للمجلس‭ ‬باختصاصات‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬الأمور‭ ‬بما‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬وتفادي‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة‭.‬

وبحسب‭ ‬ما‭ ‬تبين،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬الشركات‭ ‬الكبيرة‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬الانهيارات،‭ ‬إذ‭ ‬وصلت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬بأنها‭ ‬“أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تفشل”‭ ‬وفوق‭ ‬الجميع‭.‬

ولذا‭ ‬جاء‭ ‬القانون‭ ‬برؤية‭ ‬مختلفة‭ ‬تتضمن‭ ‬أحكامًا‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬سلطات‭ ‬الشركات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭.‬

ولتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات،‭ ‬تم‭ ‬فرض‭ ‬اشتراطات‭ ‬قانونية‭ ‬جديدة،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭:‬

بالنسبة‭ ‬للبنوك‭ ‬وشركاتها‭ ‬التابعة،‭ ‬تم‭ ‬تحديد‭ ‬طرق‭ ‬تقديم‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقارير‭ ‬خاصة‭ ‬تُرفع‭ ‬إلى‭ ‬الكونغرس،‭ ‬وتحديد‭ ‬الحدود‭ ‬المطلوبة‭ ‬للتمويل‭ ‬والضمانات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬إضافية‭ ‬للتصفية‭ ‬ومعالجة‭ ‬الإعسار‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأسواق‭ ‬المال،‭ ‬فتم‭ ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬ومعايير‭ ‬جديدة‭ ‬لتسجيل‭ ‬شركات‭ ‬تقديم‭ ‬الاستشارات‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬إنشاء‭ ‬الصناديق‭ ‬المختلفة،‭ ‬وضوابط‭ ‬إدراج‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬البورصات،‭ ‬مع‭ ‬دعم‭ ‬وحماية‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأسواق‭.‬

وفيما‭ ‬يخص‭ ‬قطاع‭ ‬التأمين،‭ ‬فقد‭ ‬فُرضت‭ ‬أحكام‭ ‬جديدة‭ ‬لمراقبة‭ ‬الصناعة‭ ‬التأمينية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مراحلها،‭ ‬مع‭ ‬إيجاد‭ ‬بدائل‭ ‬لسدّ‭ ‬الفراغ‭ ‬التنظيمي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬ينجم‭ ‬عنه‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬بسببه‭ ‬–‭ ‬أزمات‭ ‬مالية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬نوافذ‭ ‬التأمين‭ ‬لكافة‭ ‬الفئات‭.‬

لكن،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬النقاط‭ ‬الهادفة‭ ‬والمفيدة‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬“دود–فرانك”،‭ ‬فإن‭ ‬“الرئيس‭ ‬ترامب”‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬راضيًا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬القانون،‭ ‬وانتقده‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬رئاسته‭ ‬الأولى،‭ ‬وأجرى‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬التعديلات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوّة‭ ‬من‭ ‬القانون‭.‬

قانون‭ ‬“دود–فرانك”،‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬قد‭ ‬وضع‭ ‬اليد‭ ‬على‭ ‬الجرح،‭ ‬وبدأت‭ ‬تظهر‭ ‬بعض‭ ‬آثاره‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬لكن‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬عكسية‭ ‬لإيقاف‭ ‬التشريعات‭ ‬المفيدة‭ ‬له‭ ‬آثار‭ ‬سلبية‭ ‬واضحة‭ ‬أيضًا‭.‬

ومن‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬نُقرّ‭ ‬قوانين‭ ‬حديثة‭ ‬ومتطورة‭ ‬تراعي‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬وتنظر‭ ‬بعين‭ ‬الإنصاف‭ ‬لجميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬المزايدات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬التوجهات‭ ‬الذاتية‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين‭.‬

ولتجنّب‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فإن‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إصدار‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬قانون‭ ‬“دود–فرانك”،‭ ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطبيقه‭ ‬بنفس‭ ‬القوة‭ ‬والزخم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أرجاء‭ ‬المعمورة‭. ‬

 

‭*‬مستشار‭ ‬وخبير‭ ‬قانوني