الخبرة... البداية من القاعدة

| علي البستكي

‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1984،‭ ‬وخلال‭ ‬مرحلة‭ ‬مبكرة‭ ‬من‭ ‬مسيرتي‭ ‬المهنية،‭ ‬التحقت‭ ‬كمتدرب‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬استثمارات‭ ‬الخزينة‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬البنوك‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أملك‭ ‬إلا‭ ‬حماسًا‭ ‬مشتعلاً،‭ ‬ودفترًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬أدوّن‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬ملاحظة،‭ ‬وبعض‭ ‬المعرفة‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬اختبرها‭ ‬الواقع‭.‬

جلست‭ ‬أراقب،‭ ‬بصمت‭ ‬أولًا،‭ ‬ثم‭ ‬بفضول‭ ‬لا‭ ‬ينطفئ‭. ‬كنت‭ ‬أستمع‭ ‬لأصوات‭ ‬المتعاملين،‭ ‬وأتابع‭ ‬حركة‭ ‬الأوامر،‭ ‬وأسجّل‭ ‬كيف‭ ‬تُبنى‭ ‬القرارات‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬السوق،‭ ‬وكيف‭ ‬تُدار‭ ‬المراكز‭ ‬الحساسة‭ ‬خلال‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تداول‭ ‬إلكتروني‭ ‬ذكي،‭ ‬ولا‭ ‬توصيات‭ ‬سريعة‭ ‬تُرسل‭ ‬على‭ ‬الهاتف‭. ‬كانت‭ ‬المهارة‭ ‬تُصنع‭ ‬أمامك‭: ‬عبر‭ ‬الحدس‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬التجربة،‭ ‬وعبر‭ ‬الحسابات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬وعبر‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬لم‭ ‬تُكتب‭ ‬في‭ ‬الكتب‭.‬

تعلمت‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الصواب‭. ‬كنت‭ ‬أتراجع‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وأخفق‭ ‬أحيانًا،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أفقد‭ ‬الحافز‭.‬

مرت‭ ‬سنوات،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬متعاملًا‭ ‬أول،‭ ‬ثم‭ ‬رئيسًا‭ ‬للمتداولين،‭ ‬ثم‭ ‬مديرًا‭ ‬عامًا‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم‭: ‬الخبرة‭ ‬لا‭ ‬تُكتسب‭ ‬بالمناصب،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬بالمواقف‭... ‬والمواقف‭ ‬لا‭ ‬تُواجه‭ ‬بثقة‭ ‬فارغة،‭ ‬بل‭ ‬بأساس‭ ‬متين‭.‬

الخبرة‭ ‬لا‭ ‬تُشترى،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى

الخبرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬بالادعاء،‭ ‬ولا‭ ‬تُختصر‭ ‬عبر‭ ‬القفز‭ ‬فوق‭ ‬المراحل،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭ ‬خطوة‭ ‬بخطوة،‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭. ‬تبدأ‭ ‬بالاستماع،‭ ‬ثم‭ ‬بالملاحظة،‭ ‬فبالممارسة،‭ ‬فالخطأ،‭ ‬فالفهم‭ ‬العميق‭.‬

المدرب‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬السوق‭ ‬ليس‭ ‬دائمًا‭ ‬شخصًا،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬السوق‭ ‬نفسها‭: ‬تعلّمك‭ ‬بصمت،‭ ‬تؤدّبك‭ ‬بالخسارة،‭ ‬وتكافئك‭ ‬حين‭ ‬تنضج‭.‬

كثيرون‭ ‬يدخلون‭ ‬الأسواق‭ ‬بعقلية‭ ‬“أنا‭ ‬أعرف”،‭ ‬“سمعت‭ ‬توصية”،‭ ‬“هناك‭ ‬خبر‭ ‬جيد”،‭ ‬ثم‭ ‬يخسرون،‭ ‬فيسألون‭: ‬لماذا؟

والجواب‭: ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يبنوا‭ ‬القاعدة‭.‬

الثقافة‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬الاستثمار

تعليم‭ ‬الاستثمار‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬ولا‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬حضور‭.‬

إنه‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬كاملة،‭ ‬تتطلب‭:‬

فهم‭ ‬أدوات‭ ‬السوق‭: ‬من‭ ‬العملات‭ ‬إلى‭ ‬السلع‭ ‬إلى‭ ‬المؤشرات‭.‬

إدراك‭ ‬سيكولوجية‭ ‬المتداول‭: ‬كيف‭ ‬تحمي‭ ‬نفسك‭ ‬من‭ ‬الطمع‭ ‬والخوف؟‭ ‬كيف‭ ‬تتصرف‭ ‬عند‭ ‬الخسارة‭ ‬أو‭ ‬المكسب؟

إدارة‭ ‬المخاطر‭: ‬كم‭ ‬تخاطر؟‭ ‬ما‭ ‬حدود‭ ‬تحمّلك؟‭ ‬وهل‭ ‬تعرف‭ ‬متى‭ ‬تتوقف؟

التخطيط‭ ‬والانضباط‭: ‬هل‭ ‬تتبع‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة؟‭ ‬أم‭ ‬تتحرك‭ ‬برد‭ ‬فعل؟

الدورات‭ ‬ليست‭ ‬هدفًا،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭. ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ساعات‭ ‬تقضيها،‭ ‬بل‭ ‬تمكين‭ ‬ذهني‭ ‬وعملي‭ ‬يؤهّلك‭ ‬لدخول‭ ‬السوق‭ ‬بفهم،‭ ‬لا‭ ‬بدافع‭.‬

سلوك‭ ‬شائع‭: ‬نعرف‭... ‬ولكن‭!‬

نقابل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬يقولون‭: ‬“لسنا‭ ‬مستعدين‭ ‬لدخول‭ ‬السوق”‭.‬

جميل،‭ ‬هذا‭ ‬وعي‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التالية،‭ ‬تراهم‭ ‬يفتحون‭ ‬حسابًا‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬توصية‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬واتساب‭: ‬“الساعة‭ ‬10‭: ‬السوق‭ ‬سيصعد‭!‬”

ويبدأون‭ ‬التداول‭ ‬دون‭ ‬خطة،‭ ‬دون‭ ‬وعي،‭ ‬ثم‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬تبرير‭ ‬للخسارة‭.‬

هنا‭ ‬تتضح‭ ‬المفارقة‭: ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬“عدم‭ ‬الجاهزية”،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نحترم‭ ‬فكرة‭ ‬الجاهزية‭ ‬نفسها‭.‬

الخبرة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالحكمة

كل‭ ‬متعامل‭ ‬ناجح‭ ‬مرّ‭ ‬بلحظات‭ ‬صعبة،‭ ‬وواجه‭ ‬قرارات‭ ‬تحت‭ ‬ضغط،‭ ‬وتعلّم‭ ‬من‭ ‬الفشل‭.‬

المهارة‭ ‬لا‭ ‬تُولد‭ ‬فجأة،‭ ‬ولا‭ ‬تُعطى‭ ‬من‭ ‬أحد‭. ‬هي‭ ‬حصيلة‭ ‬تجربة،‭ ‬وتعليم،‭ ‬وتواضع‭ ‬معرفي‭.‬

ابدأ‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭. ‬افهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تغامر‭. ‬وتذكّر‭: ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يحترمه‭.‬

 

الخاتمة‭: ‬لا‭ ‬تستهين‭ ‬بالبدايات

كما‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬البنكي‭ ‬بدأ‭ ‬بمقعد‭ ‬متواضع‭ ‬ودفتر‭ ‬ملاحظات،‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬الخبرة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬يبدأ‭ ‬بتواضع‭ ‬فكري،‭ ‬وشغف‭ ‬بالتعلّم،‭ ‬وصبر‭ ‬على‭ ‬المراحل‭.‬

لا‭ ‬تستعجل‭ ‬الوصول،‭ ‬ولا‭ ‬تتجاهل‭ ‬الأساس‭.‬

الخبرة‭... ‬لا‭ ‬تُشترى،‭ ‬بل‭ ‬تُبنى‭. ‬

‭* ‬خبير‭ ‬مصرفي‭ ‬بحريني‭ ‬ومستشار‭ ‬اقتصادي