الخبز الحافي

| سيد ضياء الموسوي

 يا ولدي، لا تكن غبارًا على حذاء التاريخ، ولا اسمًا يُكتب تحت خبر: استُشهد لأجل أن يتزوج زعيمه مثنى وثلاث ورباع، باعه مفاتيح الجنة وهو بقي متشبثًا بالحياة لحد المئة عام ويزيد، بل كن نورًا يُقرأ في كتاب لدوستويفسكي أو بوشكين، أو معزوفة موسيقية لتشايكوفسكي، أو قصيدة لبودلير، أو رواية لتشارلز ديكنز، أو كن رائحةَ خبزٍ تُشبه يدَ الجدة، كالراهبة تيريزا وهي تطعم الفقراء، أو صوتَ أغنيةٍ تغسل أرواح الأجساد المضنية لفيروز عند الصباح. يا ولدي، المنابر لم تعد من خشب، بل من حديدٍ بردُه يشبه نعش الحرية، يعتليه رجالٌ بعضهم يبيعون الدين في قوارير العطور السياسية، يتحدثون عن الله وفي ضمائرهم بوصلة واحدة لا تشير إلا إلى “الإخوان المسلمين” أو “لولاية الفقيه”، يقدّمون الجنة مشويّة على نار الفتوى، ويطلبون منك أن تموت… كي يعيشوا هم أكثر! يا ولدي، المنابر للأخلاق، وإذا سُيّست وسُجنت في الحزب تحولت الأخلاق إلى قيود، والأفكار إلى سجون، والخطباء إلى سجانين بكرباجٍ يضربون به من يخالفهم. يا ولدي، اسمع فقط للخطيب العالِم المثقف الوسطي الذي يقربك من وطنك، ويحبب لك الحياة، ويعزز فيك حب الله وقيم الإنسانية، أما منابر التسييس، فسيقولون لك: إن أحببتَ فالحب حرام، وإن عزفتَ فالموسيقى زندقة، وإن نظرتَ، فقلبك قد فُتن، وإن ضحكتَ، فأنت تغوي الملائكة! منذ أفكار حسن البنا المسيسة إلى أفكار تصدير الثورة عند انتصار إيران، ونحن من محرقة إلى محرقة. كل شيء أصبح حرامًا، بما فيها التمتع بالحياة، ولا نشم إلا رائحة الموت. جثث أبناء أعزاء كتلال، ونعوش كجبال تمتد إلى السماء، وإذا رحلوا أصبحت عوائلهم في العراء، يتكففون الناس على الطرقات العارية، يتسولون خبزًا حافيًا على رصيف باك، وكأن لسان حال كل من سقط في حفرة ولاية الفقيه ضحيةً، أو الإخوان المسلمين قتيلاً، من لبنان وسوريا والعراق واليمن ومصر وتونس وليبيا، ينطبق عليهم قول الشاعر العراقي، وهو يصف لسان حال شابٍ قُتل بسبب الأحزاب في العراق، كيف يصف ندمه على فراقه للحياة، وهو محمل بنعشٍ للمقبرة، في حين “الزعيم المحرّض” تُساق له فتاة بعمر أحفاده زواجًا. يقول القتيل وهو على النعش: “كُلّ ما أرجوه من السادة المشيعين السائرين بي إلى مقبرة السلام، قريبًا من قبر أبي، أن يرسموا في شاهدتي نايًا يصدحُ .. وقنينةَ خمرٍ تُضيءُ لي الطريق، وأن يغادروا قبري قبل أن يبدأ الملقنون، فلا وقت لديّ في الليلة الأولى. سأزور الشهداء القديسين، وأراهم يفركون راحاتهم ندمًا، فقد قُتلوا من أجل أن يتربع “شعيط ومعيط” على صدورنا! بسياراتهم رباعية الدفعِ، وبأنواتهم التي ما أنزل اللهُ بها من سلطان، وأقول لهم: طبتم موتًا! فما زال أطفالُكم يشحذون في الإشارات الضوئية، ونساؤكم يتقوسنّ بين التقاعد والعقار، وأمهاتُكم في آخر صيحات الموت، تلالٌ من العباءات السود تطير نائحةً إلى السماء”. يا ولدي، لا عليك من الشعارات، فلأجل مفاوضات “القديس” الإيراني مع “الشيطان الأكبر” الأمريكي يُباع كل شيء: جنوب لبنان وسوريا والعراق واليمن... لا تصدقهم. انجُ بجلدك، وارجع لوطنك، وابنِ حياتك، وربِّ أولادك، وعِش الحياة. يا بني، لا تركع، لا تُقبّل يدًا تبارك موتك باسم الله، فالسماء لا تقتل أبناءها كي تُرضي الكهنة، الله لا يبني الجنة بجثث العشاق، ولا يقبل الذبيحة إن كان دمها من صرخات الأمهات. كفاية مغامرات... عُد لفترة السبعينات، وانظر كيف كان أعمامك: كانوا يصلون، ويصومون، ويدرسون، ويلبسون أنيق الثياب، ويستمعون لأجمل أغاني أم كلثوم وعبد الحليم، ويحضرون مسرحيات شكسبير في لندن، ويجتمعون يوم العيد، ويعزفون العود. انظر إلى صورهم وطريقة حياتهم، وكانوا قريبين من الله والوطن. بعد تصدير الثورة الإيرانية، وأيضًا انتشار فكر الإخوان المسلمين، انتشر الإسلام السياسي، ففرض ثقافة الموت في كل شيء. تغير شكل الناس، لباسهم، تفكيرهم، أصبح الأغلب في اكتئاب وانتظار الموت. ما هذا الفكر الذي لا يريدك إلا قتيلاً على سجادة فارسية أو إخوانجية أو داعشية أو حوثية أو “حزب دعوجية” أو “مقتدى صدرية”؟ يوفّرون أبناءهم، ويلقون بأبنائك كقطع خبز في سنّاراتهم في بحار مملوءة بأسماك القرش السياسية؟ تمرد يا ولدي على أفكارهم التي لا تضع الإنسان إلا في تابوت، ولا تمنحه إلا الخلود المزيّف. يا ولدي، اخرج من مطابخ الخرافات، واقرأ فلسفة الفيلسوف سبينوزا التي ترى أن الدين متى ما اقترن بالخوف، تحول إلى مشروع استعباد لا علاقة له بالرب. أنا أدعوك لتمرد وجودي بصرخة وجودية ضد الاستلاب، للخروج من “عبودية مختارة” لتكون “لا منتمي” لأي حزب. هل لك أن تسأل كبار الوكلاء كم في حساباتهم البنكية من أموال وأرقام فلكية، وكم في حسابات المقبرة من أرقام جثث أولادنا؟ يا بني، هل تعلم ماذا يعني أن تفقد استقلاليتك وتذوب في زعيم ديني؟ يسمى بـ “الأب الأعلى” في التحليل النفسي – أي رجل الدين أو الزعيم – الذي يطالب بالطاعة مقابل خلاص زائف. ماذا قدموا لك؟ مالًا؟ لا. مستقبلًا؟ لا. أخلاقًا؟ دينًا؟ سعادةً؟ لا، وألف لا. قلة من رجال الدين من يتحدثون عن السعادة. هل رأيت رجل دين قادك للحياة؟ وكم زعيم قادك للموت؟ هل وجدت رجل دين يتكلم عن كيف تعيش، أم دائمًا كيف تموت؟ يوجد، لكن قلة. أين يعيش رجال الدين الأثرياء، لا الفقراء منهم، جُباة الخُمس والزكاة؟ وأين أنت تعيش؟ هل رأيت رجل دين يجمع مالًا لأجلك للجامعة، أو يجمع مالًا لبناء سور مقبرة؟ قليل منهم. المرجع السيد فضل الله بنى في لبنان من الخُمس دور أيتام ومشاريع استثمارية من محطات بنزين وسلسلة مطاعم، ريعها للفقراء، في حين يُوزَّع الخمس هنا أو يُكدَّس لأجل الورثة.  فلماذا تُخمّس وأنت الفقير؟ من لا يعرف ثقافة الحياة لن يقدم لك أفكارًا في السعادة. هل تعلم أن هناك رجال دين طيبين فقراء هُمّشوا وحُرموا من المنبر ولقمة العيش بسبب أحزاب سياسية؟ وخُيِّروا: إما أن تؤمنوا بإيران وولاية الفقيه، أو مصيركم الاغتيال الاجتماعي والإعدام المعنوي والتهميش؟ هل تعلم أن هناك رجال دين يحبون الحياة وأن يعيشوا، لكن يخشون الاغتيال الاجتماعي؟ من حق حتى رجل الدين أن يعيش، أن يتمرد، وذلك سيوسّع من مدارك أفكاره، وسيقوده لتركيز ثقافة الحياة، لا ثقافة الموت. من حق رجل الدين أن يكون أنيقًا، ويذهب إلى الـ “جيم”، ويسافر أماكن سياحية، لأنه هو الآخر أوهموه أن ذلك لا يناسبه، وليس من الورع أن يذهب إلى الجيم، ولا من التقوى أن يذهب إلى بلد سياحي، أو يسمع أغنية، أو يذهب إلى كوفي شوب ليرتاح كبقية الناس، لأنه فَهِم الدين خطأً أو ترهيبًا، أو هو الآخر ضحية أفكار سجان كبير لا يفهم الحياة ويعيش في زنزانة فكرية. أنا أدعو رجال الدين الطيبين، محبي الحياة، لفهم ومعرفة الدين الجميل وعلاقته بحب الحياة، فذلك لا يتعارض مع الدين، والذهاب للسينما، والكوفي شوب، وشراء ملابس أنيقة، وسماع الموسيقى، فذلك سيفتح عقولهم للانفتاح، وفهم حتى الدين الجميل، أن يعيشوا حريتهم، لا أن يُدفنوا في صناديق الأيديولوجيا. يا بني، وطنك أهم من أي قضية، وأمن وطنك أهم من أي أمن، وقادة بلادك واجب الولاء لهم دون أي قادة. لا ترفع شعارات غير وطنية تأتيك من الخارج على حساب وطنك ومستقبلك. إياك أن تكون ضحية خطابات من الخارج تشحنك على وطنك وتقودك للمحارق والضياع. انظر ما حدث للبنان وسوريا والعراق واليمن بسبب خطاباتهم وكوارث أفكارهم. يا ولدي، احذر من “الأذى الخفي”، هذا الأذى قد يأكلك وأنت لا تراه، يحطمك داخليًا وأنت تظنه عسلاً زلالًا، قد يتمثل الأذى في فكرة، في حب، في شهرة، في مال، في صديق، في شعار زائف، في بيان متلاعب، في حياة على شكل سجن وأنت تعتقد أنها حديقة. يا ولدي، هذا يسمى في علم النفس “الأذى الخفي”. فأخطر أذى هو الذي لا تراه، وهو يمزقك.