لنتفاءل وننظر إلى المساحات المشرقة
| عبدالنبي الشعلة
يقول المثل الإنجليزي: “ليس السعيد من لا يواجه المشاكل، بل السعيد من يتعلم أن يعيش فوقها”. ونحن في البحرين، أبناء هذا الوطن الطيب المعطاء، مثل كثير من الشعوب والأمم، وربما أكثر من بعضها، اعتدنا أن ننظر إلى النصف الفارغ من الكأس، وأن نتغافل أو نتنكر للمساحات المضيئة في حياتنا، وأن نُكثر من التذمر والشكوى. تجدنا ننتقد الأداء، ونتحدث عن البطء في الإنجاز، ونتهم بالتخبط في التخطيط وسوء التنفيذ، ونردد الشكوى من تردي الإدارة هنا وهناك. نعم، في كثير من الأحيان، نحن محقون، فالنقد البناء حق مشروع، والمطالبة بالإصلاح والتطوير واجب. ولكن في أحيان كثيرة، يغلب علينا الطبع، وتسيطر علينا الطبيعة المتشائمة، وربما يعوزنا الوعي بواقع الحال، والمقارنة المنصفة مع ما يجري في دول أخرى، حتى المتقدمة منها. في شهر رمضان الماضي، زارني صديق من دبي، واغتنمت الفرصة لدعوته لمرافقتي في جولة على عدد من المجالس الرمضانية التي تتميز بها البحرين. أعجب ضيفي بكرم الضيافة وحفاوة الاستقبال وروح المودة التي تسود هذه المجالس، لكنه لاحظ شيئًا آخر: كثرة الشكوى والتذمر! أغلب الحديث دار حول الازدحام المروري والاختناقات في الشوارع، مع اتهامات متكررة بسوء إدارة المرور وسوء تخطيط الشوارع. تناسينا – أو ربما تجاهلنا – أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على البحرين، بل هي سمة تعاني منها معظم مدن العالم الكبرى، حتى تلك التي تُضرب بها الأمثال في التقدم والتطور، ووضعنا ليس أسوأ من غيرنا. نعم، الازدحام قد يرهقنا في بعض الأحيان والمناسبات وأوقات الذروة، لكنه أيضًا مؤشر على حيوية البلد، وعلى الحركة والنمو والتوسع الاقتصادي والعمراني. إن ما دفعني للكتابة اليوم، عن هذا الموضوع، هو زيارتي الأخيرة، ولأول مرة، لمركز محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة التخصصي للقلب، في منطقة العوالي. شعرت بالدهشة والفخر وأنا أرى هذا الصرح الطبي المتطور، بمساحاته الواسعة، وتصميمه الحديث، وتجهيزاته المتقدمة، وكادره الطبي المؤهل. مستشفى يضاهي أرقى المراكز الطبية عالميًا. والأمر لا يقتصر على هذا المركز وحده؛ لدينا مستشفى قوة دفاع البحرين، ومستشفى الملك حمد الجامعي في المحرق، الذي يقدم خدمات طبية متطورة، خاصة في مجال علاج الأورام، ولدينا المجمع الطبي المتكامل في منطقة السلمانية الذي افتتح أولى مراحله المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، طيب الله ثراه، في العام 1958م. ولدينا شبكة مستشفيات وعيادات حكومية وخاصة، تتوسع باستمرار بدعم مباشر من الدولة وتشجيعها، ومنها مستشفى الملك حمد - الإرسالية الأميركية الجديد بمنطقة عالي، الذي حظي بدعم مالي سخي من جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، أضف إلى ذلك، سياسة الدولة في توفير العلاج والأدوية مجانًا للمواطنين، وبرسوم رمزية للمقيمين، بما في ذلك علاج الأمراض المستعصية والمزمنة. وفي مجال التعليم، تواصل الدولة التزامها بتقديم التعليم المجاني حتى نهاية المرحلة الثانوية، مع توفير حزم من المنح الدراسية الجامعية داخل البحرين وخارجها، ويتم على الدوام توسيع المدارس والمعاهد وتطويرها، وتشجيع القطاع الخاص على المساهمة في تقديم الخدمات التعليمية، فأصبحت الجامعات والمدارس الخاصة ورياض الأطفال منتشرة وتعمل تحت إشراف ومتابعة الجهات المختصة. نعم، لسنا في المدينة الفاضلة، لكن لا يمكن إنكار الجهود المبذولة في تطوير الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطن والارتقاء بمستواها. وفي ملف الإسكان أيضًا، لا يمكن تجاهل المشاريع الكبرى التي تتوالى: مدن جديدة، مجمعات سكنية مكتملة الخدمات، ردم المناطق البحرية لتوفير مساحات إضافية، تقديم العلاوات والقروض الاسكانية الميسرة. وفي البنية التحتية، تستمر الدولة في إنشاء شبكات الطرق والجسور، وتوسيع محطات الكهرباء ومعامل التحلية لضمان استمرارية الخدمات دون انقطاع. ولم نشهد انقطاعًا كبيرًا في الكهرباء أو المياه خلال السنوات الأخيرة رغم تصاعد الطلب، وهو إنجاز مهم لا يلتفت إليه الكثيرون. ولدينا مطار حديث، جميل، منظم، يلقى إشادة الزوار، حتى صار يُعرف بـ “جوهرة المطارات الخليجية”. إلى جانب واحد من أحدث الموانئ الخليجية، والمناطق الصناعية، ومشروع “ألبا” الذي أصبح فخر صناعة الألومنيوم في العالم، والعديد من الشواهد والمشاريع التي تستحق ثناء وتقدير الجميع. وفي البحرين، ينعم المواطن بالأمن والأمان، أطفالنا يخرجون ويلهون ويذهبون إلى مدارسهم ويعودون إلينا سالمين، ومعدلات الجريمة منخفضة بشكل ملحوظ مقارنة بالكثير من دول العالم. ونعيش جميعًا باطمئنان تحت مظلة نظام سياسي مستقر، وحياة نيابية يافعة واعدة، وتتوفر لنا مرافق الترفيه والتسلية والأنشطة الرياضية ومجمعات التسوق الآخذة في الانتشار. ورغم كل هذه الإيجابيات، يسيطر علينا شعور دائم بعدم الرضا. لا أقول إننا بلا مشاكل، ولا أن الحياة وردية بالكامل. نعم، لدينا تحديات، وإمكانياتنا المالية محدودة ومتواضعة، وكغيرنا لسنا محصنين أو معصومين من الأخطاء والتقصير والتجاوزات، ونواجه أزمات ومشكلات، كأي مجتمع آخر. لكن هل من الحكمة أن نغرق في التشاؤم، وأن ننسى ما تحقق؟ هل نركز فقط على النواقص، ونغفل عن الإنجازات؟ المطلوب منا أن نحلم، أن ننتقد، أن نتطلع ونطالب بالأفضل، فهذا حق مشروع، ولكن بروح إيجابية، ونظرة متفائلة، وأمل في المستقبل. أن نحمد الله على ما لدينا، وأن نسعى لتطويره. وأن نتذكر قول الله سبحانه وتعالى: «لئن شكرتم لأزيدنكم». إن السلبية داء، والتذمر عادة، والتفاؤل شفاء، والأمل قوة. فلنتسلح بالأمل، ولنتفاءل، ولنشكر، ولنعمل، فبذلك نرتقي ونبني وطننا، وكما قالت هيلين كيلر فإن “التفاؤل هو الإيمان الذي يؤدي إلى الإنجاز، ولا شيء يمكن أن يتم دون الأمل والثقة”، وهيلين كيلر، كما يعرف الجميع، هي أديبة ومحاضرة وناشطة أميركية، وتعد أحد رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها وتم تلقيبها بـ “معجزة الإنسانية” لتمكنها من مقاومة إعاقتها، وقد نشرت هيلين ثمانية عشر كتابًا.