قراءة في مقالين للشعلة

| رضي السماك

ضمن المقالات المنشورة في هذه الصحيفة خلال شهري أبريل الماضي ومايو الجاري لرئيس مجلس إدارة صحيفة "البلاد" الأستاذ عبد النبي الشعلة، ثمة مقالان لافتان على درجة كبيرة من الأهمية؛ وذلك لما يضمننانه من قضايا سياسية فكرية مهمة ما فتئت منذ زمن بعيد تشغل الرأي العام العربي.المقال الأول نُشر بتاريخ 20 أبريل الفائت تحت عنوان " نجمة داود ليست نجمته..وهكذا تخلينا عن النجمة السداسية"، أما المقال الثاني فقد نُشر بتاريخ  11 مايو الماضي تحت عنوان " ثروتنا المنسية: التنوع الذي حولناه إلى نقمة".ورغبةً منا في إثراء  كلا المقالين سنحاول أن نجتهد في الأدلاء بدلونا . ففيما يتعلق بالمقال الأول لعلي أجزم بأن ما كشف عنه الشعلة من حقائق دامغة عن الجذور التاريخية لنجمة داود السداسية يكاد يكون من القضايا الغائبة عن الرأي العام في عالمنا العربي ونخبته السياسية اللهم إلا استثناءات محدودة من المطلعين على تلك الحقائق التي فجرها الشعلة في كشفه النقاب عنها.لا بل يمكننا الزعم في هذا الصدد بأن شطراً كبيراً من الرأي العام العالمي ونخبه السياسية على غير إطلاع عليها، أو لنقل يتحمل شيئاً من المسؤولية للتقصير في تسليط الأضواء عليها، وطبعاً فإن المستفيد الأول في هذا الشأن هي إسرائيل وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة للتلاعب بالرأي العام العالمي كما يحلو لهما. وبطبيعة الحال ما كان للشعلة أن يكون على ذلك الإطلاع الواسع المعمق بجذور وحقائق نجمة داود التاريخية التي اتخذتها إسرائيل شعاراً لها ولعلمها،لولا لم يكن قد أطلع مسبقاً أثناء دراسته الجامعية في الهند بأواخر الستينيات على التراث الهندوسي، وحيث كان هذا التراث ضمن مادة إلزامية بعنوان  " تاريخ وتراث الهند" وهي أشبه إن جاز القول بمادة المقرر القومي التي كانت تُدرس لنا في الجامعات العربية، وإن كنت أرجح بأن المقرر القومي الهندي أقرب الموضوعية حيث يحكمها بعد استقلالها عن بريطانيا  نظام ديمقراطي دستوري تعددي . وقد تبيّن للكاتب الأستاذ الشعلة أن نجمة داود إنما سرقتها إسرائيل من التراث الهندوسي، ولم تكن تاريخياً في صلب ما تروجه من أساطير توراتية صهيونية وما فتئت تروجها لإضفاء شرعيتها التاريخية والحقوقية في فلسطين العربية السليبة، بدليل وجود النجمة في العديد من المخطوطات والمعابد الهندوسية الموغلة في القدم قبل أن تولد الديانة اليهودية بآلاف السنين. وهي موجودة أيضاً في التراث الإسلامي وفنه المعماري من زخرفة ونقوش كرمز للحكمة قبل أن يتخذها اليهود رمزاً دينياً. ومن المفارقات المؤلمة التي تؤخذ على العرب والتي يكشفها الأستاذ الشعلة أن العرب بعد أن أدعت إسرائيل تبعية نجمة داود لتراثها، تبرأ العرب من هذه النجمة وأظهروا معاداتها! وكنت في سياق اهتماماتي التراثية اللغوية قد كشفت في مقالات صحفية أواخر التسعينيات مجموعة من أسماء العلم العربية التي تخلى عنها العرب بعد أن تبين لهم أن الإسرائيليين يتسمون بها. وصفوة القول أن  نجمة داود السداسية التي غدت مكروهة عند  عند العرب بعد قيام إسرائيل 1948 أو عند بواكير الصراع العربي الصهيوني منذ مطلع القرن العشرين في المنطقة العربية، ينبغي أن تبقى -كما عبّر الكاتب عن حق- رمزاً ونتاجاً لتطابق الفكر الإنساني بين مختلف الشعوب والأمم كما كانت منذ أقدم العصور، دون أن تكون حكراً على ديانة ما أو طائفة أو شعب بعينهما، بل جديرة بأن تكون رمزاً عالمياً  متجذراً عابراً للثقافات والديانات المتنوعة، ولا سيما الديانات الإبراهيمية في منطقتنا العربية والعالم. وعلى صلة وثيقة بهذا الموضوع كتب الأستاذ عبد النبي الشعلة مقاله الثاني تحت العنوان" ثروتنا المنسية : التنوع الذي حولناه إلى نقمة" وسنرجيء تناول هذا الموضوع إلى ما بعد تناول موضوع ثالث يتصل بهما أيضاً ألا هو رحيل الصديق والمثقف الكبير والإنسان البحريني الأصيل المسيحي يوسف حيدر عن عالمنا ، والذي كان للأستاذ  عبد النبي  الشعلة وزير العمل والشؤون الاجتماعية الأسبق فضلاً في تعرفي على هذا الإنسان من خلال عملنا المشترك في لجنة التحضير لمؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي الذي انعقد في أواخر أكتوبر 2002، غداة إعلان جلالة الملك المفدى مشروعه الإصلاحي، وهذا ما سنبينه في مقالنا الأسبوعي السبت القادم بإذن الله.