دور الأعشاب في الطب الحديث (2)

| د.سيد محمود القلاف

اعتمدت الممارسات الطبية في العصور السابقة على ممارسات ربما بدت بدائية مقارنة مع ما وصل إليه الطب الحديث، ولربما كان استخدام الأعشاب الطبية ممارسة متقدمة بمقاييس تلك الأزمنة، وقد ورد استخدام أعشاب مثل الجينسنغ وجذر عرق السوس لموازنة طاقة الجسم وعلاج بعض الأمراض في الطب الصيني القديم، كما ورد أن ممارسة الإيورفيدا في الهند تركز على موازنة أجهزة الجسم باستخدام أعشاب مثل الأشواغاندا والنيم والريحان المقدس، وفي مصر القديمة تم توثيق استخدامات الثوم والكزبرة والمر في بردية إيبرس، كما ذكرت الوثائق اليونانية - الرومانية استخدام أبقراط وجالينوس أعشابًا مثل الزعتر والنعناع للعلاج. ولا تزال الكثير من الأعشاب الطبية المعروفة تُستخدم حتى اليوم لأغراض علاجية مختلفة، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك: الإشناسيا (Echinacea): كان يستخدمه الأميركيون الأصليون لعلاج نزلات البرد والتهابات الجهاز التنفسي العلوي؛ وتشير الدراسات الحديثة إلى خصائصه المعززة للمناعة. الكركم (Turmeric): ويستخدم كمضاد للالتهابات ومضاد للأكسدة ولعلاج آلام المفاصل واضطرابات الهضم، والمركب النشط به هو الكركمين (Curcumin) وتجرى عليه العديد من الأبحاث حاليًّا. البابونج (Chamomile): ويستخدم للمساعدة على النوم وتهدئة القلق وعلاج مشاكل الجهاز الهضمي. الجينسنغ (Ginseng): ويستخدم لتعزيز الطاقة وتقليل التوتر وتحسين الوظائف العقلية. الصبار (Aloe vera): ويستخدم لعلاج بعض الأمراض الجلدية والحروق ومشاكل الهضم (عند تناوله كعصير). ويبقى السؤال هنا: هل لا تزال الممارسات الطبية الحديثة تعتمد على الأعشاب الطبية أو على الأقل هل تسمح باستخدامها وتفسح المجال لها كما كان الوضع في الأزمنة السابقة؟ للجواب على ذلك يقول الخبراء إن دور الأعشاب مازال متاحًا ولكن كجزء من الممارسات التقليدية في بعض الدول التي تعتمد عليها أو تسمح بها، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، ففي دول مثل الهند والصين نجد انتشارًا كبيرًا للأعشاب الطبية. 

ولكن في الدول المتقدمة لا نجد ذلك الانتشار، وإن كنا نرى ازديادًا في مراكزها ولربما يكون ذلك عائدًا لكلفتها الاقتصادية المنخفضة مقارنة بالأدوية الحديثة وإيمان الناس بفعاليتها وسلامة استخدامها، وفي هذه الدول يتم الترخيص لاستخدام الأعشاب الطبية كمكملات غذائية (Food or Dietary Supplements)  لتناولها عن طريق الفم أو كمستحضرات للشعر والجلد. الحديث هنا عن استخدام الأعشاب الطبية كما هي أو جزء منها كالجذور والبذور والثمر، وليس عن الأدوية الحديثة التي تم استخلاصها من بعض الاعشاب والتي ثبتت فعاليتها وسلامة استخدامها عبر العديد من الدراسات الإكلينيكية الحديثة مثل: دواء الاسبيرين (Aspirin) المستخلص من نبات الصفصاف والمستخدم كمسكن للآلام ومانع للتخثر، ودواء الكوينين (Quinine) المستخلص من نبات الكينا والمستخدم لعلاج الملاريا، ودوائي الفينكريستين (Vincristine) والفينبلاستين (Vinblastine)  المستخلصين من نبات الفنكا (Vinca) والمستخدمين لعلاج بعض أنواع السرطان. أما عن الأسباب التي تمنع السماح باستخدام الأعشاب الطبية في الممارسات الطبية الحديثة وجعلها جزءًا منها ففيما يلي بعضها: - غياب التوحيد القياسي (Standardization): حيث تختلف جودة وتركيبة وقوة المنتجات العشبية من دفعة لأخرى، لذلك فمن الصعب تحديد جرعة دقيقة أو تركيز للمستحضر أو للمكونات الفعّالة. - نقص الأبحاث والدراسات: تعتمد الممارسات الطبية الحديثة على البراهين المستقاة من الأبحاث والدراسات الطبية، وهو ما لا يتوفر غالبًا في طب الأعشاب حيث إن أغلب الأعشاب الطبية تفتقر إلى تجارب سريرية وأبحاث دقيقة تثبت سلامتها وفعاليتها. - إمكانية السُمية والآثار الجانبية: بعض الأعشاب قد تكون سامة إذا استُخدمت بشكل غير صحيح أو بجرعات عالية، كما أن بعضها قد يتفاعل مع الأدوية الأخرى ويسبب آثارًا ضارة وربما خطيرة. - بطء تأثير العلاج: تعمل العلاجات العشبية ببطء نسبيًّا، ولا تكون فعّالة في الحالات الحادة أو الطارئة. - صعوبة عزل المركبات الفعّالة: تحتوي النباتات الطبية على العديد من المركبات، ما يصعّب تحديد المركب المسؤول عن التأثير العلاجي، وهذا يُعقّد عملية تطوير الدواء وتنظيم استخدامه. - تحديات تنظيمية: لا تُنظّم المنتجات العشبية بنفس الصرامة التي تُنظَّم بها الأدوية الحديثة ويساهم في ذلك غياب معايير تنظيمية عالمية موحدة يحدّ من اعتمادها في أنظمة الرعاية الصحية الرسمية. - صعوبة تسجيل براءات الاختراع: شركات الأدوية لا تجد دافعًا اقتصاديًّا كافيًا للاستثمار في أبحاث الأعشاب، بسبب صعوبة تسجيل براءات اختراع عليها. تظل الأعشاب الطبية موردًا قيّمًا للصحة والعلاج، سواءً في البيئات التقليدية أو كمكمّل ومصدر للعلاجات الطبية الحديثة. ويُعد البحث العلمي المستمر والتنظيم والتوعية من الأمور الأساسية لضمان استخدامها الآمن والفعّال.

أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية