“يسمع حسيسنا”

| هدى حرم

يتجسس علينا، يسمعنا، يقرأ أفكارنا، لا محيص من استراقه السمع لكل كلمة وحوار يدور بيننا وبين محدثينا، يعرف ما نفكر فيه، ويتعقبنا، ويعرف خط سيرنا، وأين ذهبنا البارحة، بل ماذا فعلنا الصيف الماضي، وأية موضوعات ناقشنا هذا الصباح. أليس من المخيف حقًا أن نكتشف أن هاتفنا النقال يسمعنا ويرانا؟ هل نحن واهمون، أم إنها الحقيقة؟! هاتفنا النقال يسمع ما نهمس به لأنفسنا، ولسنا نبالغ إن ظننا أنه يراقبنا، بل وأكثر من ذلك. إنه يحاصرنا.. ألا ترونه يمطرنا بوابل من المعلومات والإعلانات عن حالة أو منتج، فقط لأننا أتينا على ذكره، أو حتى لمجرد أننا فكرنا فيه؟ أبعد الذكاء الاصطناعي نستبعد أن تكون أنفاسنا مسموعة، وعلى الأخص بعد تفعيل أكبر شركات الاتصالات في أميركا برنامج الإنصات النشط، ومهمته التنصت على مكالماتنا عبر ميكروفونات هواتفنا وأجهزتنا الذكية بالشراكة مع الأذرع الترويجية لشركات التقنية العملاقة، بغية توجيه أدق للرسائل الترويجية. وتقول الشركة إن البرنامج يتنصت على الهواتف والحواسيب المحمولة والشاشات الرقمية بحيث يحلل، باستخدام الذكاء الاصطناعي وفي وقت فعلي، نوايا التسوق ويستطيع زيادة قدرة شركات الإعلانات على الوصول إلى جمهورها بصورة أدق. الأجهزة الذكية التي بحوزتنا ترصد نوايانا عن طريق التنصت على محادثاتنا، لتمكن شركات الإعلانات من ربط البيانات الصوتية بالبيانات السلوكية بغية توجيه الإعلان إلى مستهلكين محتملين. ولشديد الأسف فإن هذا النوع من التجسس قانوني للغاية، فلتلك الأجهزة حق التنصت علينا، حين وافقنا على شروط الاستخدام عند البدء بتحميل تطبيقات بعينها، دون أن نكلف أنفسنا عناء قراءة الشروط تلك، والتي تنص في جزء منها على أن التنصت النشط منصوص عليه أحيانا.

وقد نملك العذر في الوقوع في فخ الرقابة لسنوات طويلة دون أن نعلم، ذلك أننا اعتدنا السماح للتطبيقات بمشاركتها بياناتنا الشخصية، تحت الضغط، واعين أو غير واعين، بهدف الحصول على الخدمة أو السلعة التي يستحيل الحصول عليها دون الولوج إلى بيانات المستخدم، لنصبح خاضعين للرقابة بإرادتنا وبضغطة زر منا. لحسن الحظ، فإنه بمقدورنا التحرر من قيود الرقابة القسرية تلك من خلال خطوات بسيطة، لكنها فعالة. إعادة تشغيل الهاتف بالكامل مرة واحدة أسبوعيا خطوة غاية في الأهمية؛ فهي تنهي جميع العمليات الجارية، وتفرغ ذاكرة الوصول العشوائي، ما يعزز حماية الهاتف من الاستغلال الأمني الذي لا يتطلب أي تدخل من المستخدم. كما أن تجنب فتح الروابط والملفات غير الآمنة ومجهولة المصدر يسهم في سد الثغرات الأمنية بشكل كبير. كذلك فإن تقليل عدد التطبيقات المحملة على الهاتف له دور كبير في الحماية من الاختراقات الأمنية، والاقتصار على تحميل التطبيقات من المتاجر الرسمية فقط، وتثبيت التحديثات بشكل دوري، وعدم فتح المرفقات أو الروابط من رسائل البريد الإلكتروني غير الموثوق بها، بالإضافة إلى تغطية الكاميرات والميكروفونات على الهواتف لمنع التجسس البصري والصوتي، وتجنب المحادثات الحساسة عبر الهاتف أو بالقرب منه، وعدم اصطحاب الهاتف إلى الأماكن المهمة، وإيقاف خدمات تحديد الموقع (GPS) لتقليل تتبع الموقع، واستخدام رمز PIN غير قابل للخرق لحماية البيانات، وإفشال عمليات التجسس التي يقوم بها الهاتف والأجهزة الذكية الأخرى التي بحوزتنا.

كاتبة بحرينية