آيديولوجيات معلبة لعقول أنهكتها الندرة

| أحمد جعفر

 في مطلع العام 2011، كنت في قاهرة المعز، حيث توقفت خدمة الإنترنت فجأة عشية اندلاع مظاهرات شعبية عارمة أطاحت بنظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. كان مشهد الحشود المليونية في ميدان التحرير سرياليًّا، وكانت الجماهير آنذاك تستهلك الخطاب العاطفي تمامًا كما يتعاطى المدمن جرعته. كنت واحدًا من الملايين الذين تأثروا بذلك الخطاب خلال فترة ما يسمى بالربيع العربي، وسط إحباط شديد كان يعتصر الشباب جراء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وفي أعظم الإنجازات الفكرية التي حققتها شخصيًّا على مدار السنوات اللاحقة، كانت لي وقفة جريئة مع النفس، متسائلًا: كيف وصل الإنسان إلى لحظة بات يسلم فيها عقله للآخرين، تاركًا لهم المجال لفرض آيديولوجيات معلبة للسيطرة عنوة على العقول دون إطلاق رصاصة واحدة في معركة الوعي؟! ولطالما خاضت المجتمعات العربية منذ عقود حروبًا شرسة على جبهات الفكر، شنتها جماعات الإسلام السياسي - بشقيها الشيعي والسني - وسواها من القوى ووسائل الإعلام التابعة لها، مروجة الخطابات الشعبوية العاطفية ومستغلة انتشارها الواسع وقبولها بين العرب. هذه أزمة قد تكون صامتة بلا ضوضاء ولكنها مؤثرة بعمق؛ لأنها تمس العقول مباشرة وتجسد ما يعرف بـ “الندرة الذهنية”. إنها ظاهرة شرحها الاقتصادي السلوكي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، سيندهيل موليناثان، وعالم النفس البارز بجامعة هارفارد، إلدار شافير، في كتابهما “الندرة: لماذا يعني القليل جدًا الكثير”. يتناول الكتاب ذو القيمة المعرفية العالية مفهوم “الندرة” سواء كانت في المال أو الوقت أو حتى الانتباه، باعتبارها سببًا في حدوث حالة عقلية يطلق عليها “التنميط الذهني“ (Tunneling)، حيث يركز الشخص أو حتى الجماعة بشكل مفرط على الحاجة العاجلة التي تتركه بعيدًا عن التخطيط للمستقبل أو رؤية الصورة الأشمل. ببساطة، إن الشعور بالنقص يؤثر بالضرورة على الأداء العقلي للناس، وهي تجربة ظهرت نتائجها بوضوح على مجموعة من المزارعين الهنود الذين تباينت نتائج اختبارات الذكاء واتخاذ القرارات لديهم قبل موسم الحصاد وبعده؛ فعندما كانت لديهم وفرة مالية أظهروا نتائج أفضل مقارنة بفترة الشح المالي لديهم. هذا النمط الذهني ينطبق على واقع الشعوب العربية بشكل مذهل، ففي بيئة يسودها القلق من الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمان الاجتماعي وانعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية، يجد المواطن نفسه محاصرًا بأزمات يومية تستنزف قدرته على التفكير الاستراتيجي بعيد المدى. وهنا يبرز الخطاب الشعبوي كاستجابة طبيعية لهذا النمط العقلي؛ إذ تطرح هذه الخطابات حلولًا آنية ومختزلة لقضايا عميقة ومعقدة، وتلعب على أوتار الغضب والخوف والحاجات الملحة، بالإضافة إلى الخطاب الديني كأفيون يقدم للشعوب المغلوبة على أمرها، وهذا قد يكون تفسيرًا منطقيًّا لقدرة رجال الدين على تحريك الحشود بإشارة الإصبع. وطبقا لما كشفه موليناثان وشافير، فإن “التنميط الذهني” الناتج عن الندرة يجعل الإنسان أكثر اندفاعًا وأقل قدرة على التفكير بالعواقب بعيدة المدى، ما يبرر كيف أن جماهير واسعة في الدول العربية تستهلك الخطابات العاطفية، وتنجذب نحو الزعامات الكاريزمية، وتبحث عن خلاص فردي سريع، بدلًا من دعم المشاريع السياسية التي تتطلب صبرًا واستثمارًا طويل الأمد. كذلك يفسر ميل المجتمعات العربية إلى التفاعل مع الأزمات اللحظية بطريقة غالبًا ما تفتقر إلى الحسابات العقلانية المتأنية. والأخطر من ذلك أن هذه الدائرة تغذي نفسها؛ فكلما غاب الأمل في إيجاد حلول استراتيجية مستدامة، ازداد التشبث بالخطابات الشعبوية ذات البعد العاطفي، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الأزمات بدلًا من معالجتها. وبحسب ما جاء في اقتباس مهم من الكتاب ذاته: “الندرة ليست مجرد نقص في الموارد، بل نقص في العقل المتاح لمعالجة مشكلات الحياة”، فإن ذلك يشير إلى أن المشكلة عربيا ليست فقط في فقر الموارد؛ إنما باستنزاف العقول نتيجة غياب البيئة التي تسمح بالتفكير الحر والتخطيط العميق. ولتغيير هذا الواقع البائس، لا يكفي على الدول العربية إصلاح اقتصاداتها أو تقديم مساعدات مالية مؤقتة لشعوبها فحسب؛ بل إنها مطالبة بوضع حلول جذرية تبدأ بمعالجة “التنميط الذهني” عبر بناء فسحات ذهنية حقيقية من خلال بيئات تعليمية تحفز التفكير النقدي منذ الصغر، وتأطير سياسة تعزز ثقافة الحوار والتخطيط بعيد المدى، وصناعة إعلام مسؤول يبتعد عن الإثارة ويذهب لتقديم المعرفة كأساس للتفكير الرصين. بالإضافة إلى ذلك، فإن تبني المبادرات الشبابية النوعية وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة الرسمية، يعدان ركيزتين أساسيتين لاستعادة الوعي الجمعي وتوجيه الطاقات نحو بناء مستقبل أكثر استقرارًا وإشراقًا. إن رواج الخطاب الشعبوي في الدول العربية ليس بالضرورة نتيجة جهل المجتمعات؛ بقدر ما هو نتاج بيئة نفسية قاسية خلقتها الندرة. وكسر هذه الحلقة يتطلب تحولًا حقيقيا يزرع الأمل أولًا قبل كل شيء؛ لأن العقل المحاصر في أزماته اللحظية، كما يؤكد موليناثان وشافير في كتابهما، لا يمكنه بناء وطن ولا النهوض به. وربما اليوم أكتب هذا المقال بدافع تجربة شخصية أكثر من مجرد تحليل فكري يشخص حالة سلوكية لدى الجماهير العربية. فبعد سنوات طويلة من العمل في مؤسسات إعلامية محلية ودولية، واجهت فراغًا قاسيًا وسؤالًا ملحًّا عن معنى ظرف لم أستوعبه جيدًا. حينها أدركت كيف يمكن لعقلٍ أنهكه الإرهاق في أزمة لحظية أن ينجرف وراء أي خطاب يمنحه جرعة أمل، حتى لو كانت زائفة. لم يكن تجاوز كل تلك الصراعات الفكرية سهلًا، لكن الوعي بهذه الآليات النفسية والاجتماعية كان بمثابة أول خطوة لتحرير العقل من تجار الوهم الذين يسوقون خطاباتهم كما تُباع الأرواح في سوق النخاسة.

كاتب بحريني