ما التوجه إن انخفض سعر النفط أو ارتفع؟

| د. إحسان علي بوحليقة

يقاس نجاح السياسات الاقتصادية بمدى تحقيقها للاستقرار الاقتصادي، فالاقتصادات المستقرة توازن بين الانضباط المالي وبين الاستثمار في مواردها البشرية والطبيعية وتنمية السعة الاقتصادية، وتتجنب الاعتماد على إيرادات سلعة واحدة تحوطا ضد تقلبات تؤذي الاستقرار وبالتالي الاقتصاد والمجتمع الذي يرتكز عليه.  ولابد من الإقرار بأن الاستغناء عن إيرادات النفط ليس أمرا سهلا بل يتطلب جهدا منسقا شاملا ومزعزعا لا يَكلّ كالذي تسعى السعودية لتنفيذه من خلال رؤية 2030 بكل صرامة، وهدف هذا الجهد أن تساهم الإيرادات غير النفطية الناتجة عن أنشطة اقتصادية مولدة للقيمة المضافة بالحمل الثقيل لاستدامة واستقرار إيرادات الخزانة العامة. إذن، التوجه الاستراتيجي واضح: الانتقال من اعتماد الخزانة العامة على الريع (إيرادات النفط) إلى اعتمادها على النشاط الاقتصادي المُوَلِد للقيمة اقتصاديا وللإيرادات للخزانة العامة (الرسوم والضرائب). هذا مطلب ضخم لاقتصاد أمضى عقودا تعتمد خزانته العامة على إيرادات النفط واستخدمت أساسا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، فكانت الحكومة تقود والقطاع الخاص يتبع ويمارس دورا محدود المخاطر وهو أن يزود - عبر عقود حكومية وانفاقها العام - ما تحتاجه البلاد من سلع وخدمات. ولماذا الزهد في الاعتماد على إيرادات النفط؟ لسببين: التذبذب، وأن تركيز الاهتمام على النفط كأنه المنقذ الوحيد يفوت فرصا مهمة في توليد القيمة من النفط الخام عوضا عن تصديره خاما، ومن تنويع القاعدة الاقتصادية وبالتالي توسيع قاعدة الضرائب والرسوم، ويجلب أخطارا محدقة نتيجة لبرامج تحول الطاقة. أحد التحولات الكبيرة التي أحدثتها رؤية السعودية 2030 منذ اليوم الأول لإطلاقها هو مواجهة صريحة لحقيقة أنه ليس بالإمكان الاعتماد على النفط. هي حقيقة معروفة لكن لم يسبق مواجهتها بهذه الصرامة، فالخطط الخمسية التي دأبت السعودية على إصدارها تباعا منذ بداية السبعينيات الميلادية كانت تهدف إلى تنويع الاقتصاد. ما أضافته الرؤية هي أن وضعت المجتمع وجها لوجه أمام هذه الحقيقة، وذلك من خلال إطلاق برنامج تحول وبرامج رديفة لتحقيق تلك الرؤية، حتى لا تبقى أملا لا يتحقق. اقتصاديا برامج تحقيق الرؤية تعاملت مع المفاصل الاجتماعية - الاقتصادية التي تهم المجتمع في نطاقاته الأوسع محليا وإقليميا وعالميا، كما أنها تعاملت مع المخاطر المالية المتربصة التي لم تبرح التربص مع كل صعود وهبوط لسعر برميل النفط وبالتالي تأرجح إيراداته.  ولعل الفارق الجوهري الأهم - في ظني - الذي أحدثته الرؤية هو الالتزام، الالتزام بتحقيق المستهدفات بتوفير الموارد والتمكين، ففي السابق كان تحقيق المستهدفات يقوم حقيقة على شرط هو توفر الإيرادات، التي كان جلها إيرادات نفطية. أما في حقبة رؤية المملكة 2030 فأصبحت محفظة توفير الموارد أكثر تنوعا: الإيرادات النفطية، الإيرادات غير النفطية وتنميتها من خلال الضرائب والرسوم، تنمية العائد على استثمارات الدولة، توظيف الفسحة المالية التي تمتلكها الخزانة العامة باعتبارها موردا يمكنها من الاقتراض عالميا وبشروط منافسة، ضبط ميزان المدفوعات من خلال السعي حثيثا لتنمية الصادرات غير النفطية السلعية والخدمية وفتح الاقتصاد على مصارعه لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية. التجربة التي عمرها عقد من الزمن، تبين أن سمت الإيرادات غير النفطية الصعود المتواصل فيما سمت الإيرادات النفطية التذبذب، حيث تصاعدت الإيرادات غير النفطية من 166 مليار ريال في العام 2015، (العام السابق لانطلاق الرؤية) إلى 503 مليارات ريال في العام 2024، بزيادة قدرها 170 بالمائة، في سمت تصاعدي متواصل، حتى في فترة كوفيد. فيما الإيرادات غير النفطية بلغت 450 مليار ريال في العام 2015 وتراجعت إلى 300 مليار في العام 2016 وارتفعت إلى 350 مليار في 2017 وقفزت إلى فوق 600 مليار في العام 2018، وهكذا تتراوح بين صعود وهبوط. أما الرؤية فهي خطة طويلة المدى ببرنامج زمني ومستهدفات، وبالتالي لها متطلبات تمويلية تتطلب تدفقات مالية موثوقة، وهذا يتحقق من خلال هيكلية تقوم على تعدد موارد التمويل: الإيرادات النفطية زائدا الإيرادات غير النفطية زائدا الاقتراض لتغطية العجز. الأمر المطمئن أن الإيرادات غير النفطية في تصاعد في طريقها نحو مستهدف ترليون دولار في العام 2030، وأن مساهمة القطاع الخاص في تنامي في طريقها نحو مستهدف 65 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتأكيد يبقى خطر استمرار راجع الإيرادات النفطية مؤثرا، وهذا خارج عن السيطرة بالإجمال لارتباطه بعوامل خارجية، وقد شاهدنا تأثيراته بأن ارتفعت نسبة العجز في الميزانية، لكن علينا أن نتذكر أن العام 2015 شهد عجزا ضخما في الحساب الجاري للسعودية تجاوز 56 مليار دولار (- 8.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي). لكن ما حدث بعد ذلك لافت - في تقديري - حيث بذلت رؤية 2030 جهدا استثنائيا لإدارة ميزان المدفوعات، فقد أخذت الأنشطة غير النفطية في تعزيز ميزان المدفوعات، لاسيما الأنشطة المرتبطة بالسياحة، وكان نتيجة ذلك تسجيل فائض في ميزان تجارة الخدمات للعامين 2023 و2024 على التوالي. وليس محاولة لتبسيط التحدي، فالأمر لا يخلو من تحديات نتيجة للتطورات الجيوسياسية والتقنية وتلك المتعلقة بأسواق النفط، وفي هذا السياق نجد أن السعودية تتعامل مع هذه التحديات بمبادأة وتوجه مدروس، فتلاحظ نتائج ذلك على ثلاثة أبعاد: 1. استراتيجيا، من خلال تعاظم تأثير السعودية إقليميا وعالميا، ودورها الفاعل في القضايا الدولية. 2. تقنيا، من خلال الأولوية العالية والمبادرات التنفيذية لتسريع التحول الرقمي وزيادة مساهمة الاتصالات وتقنية المعلومات والابتكار والتقنية العالية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي. 3. الطاقة، ويشمل ذلك النفط والغاز عبر تنفيذ نهج متكامل يعزز أنشطة القيمة المضافة المرتبطة بالنفط الخام من ناحية، ومواصلة جهود تحول الطاقة، الأحفورية وغير الأحفورية، وتعزيز مساهمة الاقتصاد الدائري.