كنْس الماضي!

| د. جاسم المحاري

‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬الواسع‭ ‬الذي‭ ‬“يُتْخَم”‭ ‬يوميًّا‭ ‬بالمعلومات‭ ‬الضخمة‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬تسودها‭ ‬ثقافة‭ ‬الضغط‭ ‬الهائل‭ ‬على‭ ‬الأدمغة‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬بمقدورها‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬المعلومات؛‭ ‬يُعبّر‭ ‬النفسانيون‭ ‬عنه‭ ‬بالحالة‭ ‬المرضية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬دائمة‭ ‬أو‭ ‬مؤقتة‭ (‬وبالطبع‭ ‬ليست‭ ‬بالخَرَف‭) ‬حين‭ ‬تنعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تذكر‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬الخبرات‭ ‬المتنوعة‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬المؤثر‭ ‬“التراجعي”‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬تعاطي‭ ‬المخدرات‭ ‬أو‭ ‬تناول‭ ‬المهدّئات،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬“العابر”‭ ‬الذي‭ ‬يستمر‭ ‬لـ‭ (‬30‭ - ‬60‭) ‬دقيقة‭ ‬وحتى‭ (‬12‭) ‬ساعة‭ ‬للمصابين‭ ‬بالصرع‭ ‬أو‭ ‬الشقيقة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬المنعطف‭ ‬“الثابت”‭ ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬التهابات‭ ‬الدماغ‭ ‬أو‭ ‬احتباس‭ ‬الدم،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حالاته‭ ‬الأخرى‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬“التزايد”‭ ‬الخطير‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الزهايمر،‭ ‬وما‭ ‬يصاحبه‭ ‬من‭ ‬العامل‭ ‬“المفتعل”‭ ‬و”التفارقي”‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬فيه‭ ‬الأشخاص‭ ‬للصدمات‭ ‬الانفعالية‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬تنسيهم‭ ‬كلّ‭ ‬الأحداث‭ ‬الماضية‭.‬

إنّها‭ ‬دونما‭ ‬ريب‭ (‬آفة‭) ‬النّسيان‭ ‬وفقدان‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬يعجز‭ ‬فيها‭ ‬المرء‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬معلوماته‭ ‬ومعارفه‭ ‬التي‭ ‬اكتسبها،‭ ‬بل‭ ‬ويخفق‭ ‬في‭ ‬استرجاع‭ ‬أفكاره‭ ‬وخبراته‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬أنْ‭ ‬تعلَّمها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬وفق‭ ‬تنظير‭ ‬أولئك‭ ‬النفسانيين‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬“عدم‭ ‬الاستعمال”‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يوُهَنُ‭ ‬ويضمر،‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬يتلاشى‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري،‭ ‬كحال‭ ‬العضو‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تُرك‭ ‬دون‭ ‬استعمال‭ ‬مدّةً‭ ‬من‭ ‬الزمن‭. 

وتمحور‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬“الكبت”‭ ‬الذي‭ ‬تُستبعد‭ ‬فيه‭ ‬الحوادث‭ ‬المؤلمة‭ ‬والذكريات‭ ‬الحزينة‭ ‬والهروب‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬الوعي‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬اللاوعي،‭ ‬فيما‭ ‬يزيد‭ ‬“التداخل‭ ‬والتعطيل”‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬اختلاط‭ ‬الأفكار‭ ‬والخبرات‭ ‬والمهارات‭ ‬وتشابكها‭ ‬مع‭ ‬بعضها؛‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضياعها‭ ‬بفعل‭ ‬ذلك‭ ‬التّباعد‭ ‬ووصولها‭ ‬لحالة‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬“إخفاق‭ ‬الاسترجاع”‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التخدير‭ ‬والتنويم‭ ‬المغناطيسي‭ ‬وتحريض‭ ‬الدماغ‭ ‬بالكهرباء‭.‬

 

نافلة‭: ‬

بات‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬“هفوات‭ ‬الذاكرة”‭ ‬جزءًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬من‭ ‬يومياتنا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬ضرورات‭ ‬حياتنا‭ ‬أفرادًا‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬في‭ ‬إسهامها‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬مستوى‭ ‬الضوضاء‭ ‬الذي‭ ‬تعجّ‭ ‬به‭ ‬رؤوسنا‭ ‬وتُفْسِح‭ ‬فيه‭ ‬لأدمغتنا‭ ‬العمل‭ ‬السليم‭ ‬وتُعززّ‭ ‬من‭ ‬قدراتنا‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يُفسرّ‭ ‬سبب‭ ‬حدوثها‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬تكرارًا‭ ‬مع‭ ‬تقادم‭ ‬العمر‭ ‬وتراكم‭ ‬الذكريات‭ ‬التي‭ ‬يضطر‭ ‬فيها‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬إلى‭ ‬فرز‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬لتذكر‭ ‬شيء‭ ‬ما؛‭ ‬نتيجة‭ ‬انعدام‭ ‬الانتباه‭ ‬الكافي‭ ‬الذي‭ ‬تتلاشى‭ ‬فيه‭ ‬المعلومات‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬وإلى‭ ‬آلية‭ ‬فرز‭ ‬الذكريات‭ ‬التلقائية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الدماغ،‭ ‬بعد‭ ‬شكاوى‭ ‬الكثيرين‭ ‬نسيانهم‭ ‬الدائم‭ ‬الذي‭ ‬تتخلّص‭ ‬فيه‭ ‬عقولهم‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬غير‭ ‬المستخدمة‭ ‬و”كنس”‭ ‬التجارب‭ ‬المؤلمة‭ ‬والصدمات‭ ‬الموجعة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬استئناف‭ ‬الحياة‭ ‬الجميلة‭ ‬والحلم‭ ‬الأجمل‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني