الإفلاس.. من وصمة العجز إلى أداة إنقاذ اقتصادي

| رجب قاسم

القانون البحريني يستند لنموذج يشابه الفصل الحادي عشر الأميركي البحرين تتيح للشركات “الفرصة الثانية” قبل إعلان الإفلاس ضرورة استحداث سجلات للإفلاس تعزز الشفافية

 

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الإفلاس‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬قانوني‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تصفية‭ ‬أموال‭ ‬التاجر‭ ‬المتعثر‭ ‬وإنهاء‭ ‬نشاطه،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يمثل‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الجوهرية‭ ‬لضمان‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحماية‭ ‬السوق‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬المفاجئ‭ ‬لكيانات‭ ‬اقتصادية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬قابلة‭ ‬للإنقاذ،‭ ‬فالإفلاس‭ ‬بمفهومه‭ ‬الحديث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرادفًا‭ ‬للانهيار‭ ‬أو‭ ‬الفشل‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬والتوازن‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الدائنين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬جليًّا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تطور‭ ‬القوانين‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

لقد‭ ‬أدركت‭ ‬معظم‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬إطار‭ ‬تشريعي‭ ‬متطور‭ ‬للإفلاس‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تداعيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬خطيرة‭ ‬أبرزها‭ ‬عزوف‭ ‬المستثمرين‭ ‬عن‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬اللازمة‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التعثر،‭ ‬وخلق‭ ‬سوق‭ ‬غير‭ ‬منظمة‭ ‬يتعمد‭ ‬فيها‭ ‬البعض‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬المسؤوليات‭ ‬القانونية،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭.‬

التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬

وتعد‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الرائدة‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬عندها،‭ ‬فكل‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬ودولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬تبنتا‭ ‬قوانين‭ ‬إفلاس‭ ‬حديثة‭ ‬تستند‭ ‬في‭ ‬مرجعياتها‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬“الأونسيترال”‭ (‬UNCITRAL‭) ‬النموذجية،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬الخصوصية‭ ‬الوطنية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭.‬

في‭ ‬السعودية‭ ‬صدر‭ ‬نظام‭ ‬الإفلاس‭ ‬بموجب‭ ‬المرسوم‭ ‬الملكي‭ ‬رقم‭ (‬م‭/‬‏‏‏‏‏50‭) ‬لسنة‭ ‬1439هـ،‭ ‬وهو‭ ‬قانون‭ ‬شامل‭ ‬ينظم‭ ‬سبعة‭ ‬إجراءات‭ ‬مختلفة‭ ‬لمعالجة‭ ‬أوضاع‭ ‬المدين‭ ‬المتعثر،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬حدوث‭ ‬الإفلاس‭ ‬فعليًّا،‭ ‬مرورًا‭ ‬بإعادة‭ ‬التنظيم‭ ‬المالي‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬للمدين‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬نشاطه،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬التصفية‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬الخيار‭ ‬الأخير‭ ‬بعد‭ ‬استنفاد‭ ‬جميع‭ ‬محاولات‭ ‬الإنقاذ،‭ ‬ويتميز‭ ‬النظام‭ ‬السعودي‭ ‬بوجود‭ ‬محاكم‭ ‬تجارية‭ ‬متخصصة‭ ‬وأمناء‭ ‬إفلاس‭ ‬مرخصين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬إلكتروني‭ ‬للإفلاس‭ ‬يعزّز‭ ‬الشفافية‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬برمتها‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬فقد‭ ‬صدر‭ ‬القانون‭ ‬الاتحادي‭ ‬رقم‭ ‬9‭ ‬لسنة‭ ‬2016‭ ‬بشأن‭ ‬الإفلاس،‭ ‬وتم‭ ‬تعديله‭ ‬لاحقًا‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬21‭ ‬لسنة‭ ‬2020‭ ‬لمواكبة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬جائحة‭ ‬“كوفيد‭ ‬19”،‭ ‬وأتاح‭ ‬القانون‭ ‬الإماراتي‭ ‬مرونة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬جدولة‭ ‬الديون‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬مع‭ ‬إقرار‭ ‬إنشاء‭ ‬سجل‭ ‬للإفلاس‭ ‬يخضع‭ ‬لإشراف‭ ‬السلطات‭ ‬المختصة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬منح‭ ‬المحكمة‭ ‬سلطات‭ ‬واسعة‭ ‬لضمان‭ ‬توازن‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬المدين‭ ‬والدائنين،‭ ‬وتجنب‭ ‬الإفلاس‭ ‬التعسفي‭. ‬وتُعَدّ‭ ‬الإمارات‭ ‬نموذجًا‭ ‬عمليًّا‭ ‬في‭ ‬إدماج‭ ‬الإفلاس‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تهدف‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬ومناخ‭ ‬الاستثمار‭.‬

أما‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان،‭ ‬فقد‭ ‬صدر‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬بالمرسوم‭ ‬السلطاني‭ ‬رقم‭ ‬53‭ ‬لسنة‭ ‬2019،‭ ‬وتم‭ ‬تفعيله‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬2020،‭ ‬ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬خطوة‭ ‬نوعية‭ ‬نحو‭ ‬تحديث‭ ‬التشريع،‭ ‬حيث‭ ‬يتضمن‭ ‬تنظيمًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬لإجراءات‭ ‬الإنقاذ،‭ ‬مع‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للتسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬التصفية‭ ‬القضائية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مراعاة‭ ‬خصوصية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬عبر‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات‭ ‬وإيجاد‭ ‬آليات‭ ‬داعمة،‭ ‬مثل‭ ‬تعيين‭ ‬الخبراء‭ ‬الماليين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الجهاز‭ ‬القضائي،‭ ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬المتابع‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬يتبنى‭ ‬فلسفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬استدامة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭.‬

في‭ ‬البحرين،‭ ‬صدر‭ ‬المرسوم‭ ‬بقانون‭ ‬رقم‭ ‬22‭ ‬لسنة‭ ‬2018‭ ‬بشأن‭ ‬إعادة‭ ‬التنظيم‭ ‬والإفلاس،‭ ‬ويُعد‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إذ‭ ‬يسمح‭ ‬للشركات‭ ‬المتعثرة‭ ‬بإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬أوضاعها‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬المحكمة،‭ ‬ويشجع‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬قيد‭ ‬التشغيل‭ ‬مع‭ ‬إخضاعه‭ ‬لرقابة‭ ‬محكمة‭ ‬الإفلاس،‭ ‬ويستند‭ ‬القانون‭ ‬البحريني‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬عالمية‭ ‬مشابهة‭ ‬مثل‭ ‬الفصل‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الأميركي،‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬للشركات‭ ‬فرصة‭ ‬“الفرصة‭ ‬الثانية”‭ ‬قبل‭ ‬إعلان‭ ‬الإفلاس‭ ‬الكامل‭. ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬يعكس‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬تحفيز‭ ‬بيئة‭ ‬استثمارية‭ ‬مرنة‭ ‬ومستقرة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬للشركات‭ ‬المتوسطة‭ ‬والصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

أما‭ ‬الكويت،‭ ‬فلا‭ ‬يزال‭ ‬القانون‭ ‬التجاري‭ ‬رقم‭ ‬68‭ ‬لسنة‭ ‬1980‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬السائد‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬الإفلاس،‭ ‬ولم‭ ‬تصدر‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬تشريعات‭ ‬متقدمة‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬ويُعاب‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الحالي‭ ‬تقادمه‭ ‬وافتقاره‭ ‬لآليات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬أو‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية،‭ ‬حيث‭ ‬يركز‭ ‬بشكل‭ ‬رئيس‭ ‬على‭ ‬التصفية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الإنقاذ،‭ ‬ويعد‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬القانونية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الكويت،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحاجة‭ ‬المتزايدة‭ ‬لتشريعات‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬السوق‭ ‬وتوفير‭ ‬حماية‭ ‬متوازنة‭ ‬بين‭ ‬حقوق‭ ‬الدائنين‭ ‬وحماية‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية‭.‬

وفي‭ ‬قطر،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬التشريعات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالإفلاس‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬التعديلات‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬التجارة‭ ‬القطري،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬قانون‭ ‬مستقل‭ ‬ومتكامل‭ ‬للإفلاس،‭ ‬وهذا‭ ‬الفراغ‭ ‬التشريعي‭ ‬يثير‭ ‬قلقًا‭ ‬اقتصاديًّا‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬القطاعات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والتجارية‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬وضرورة‭ ‬وجود‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬يضمن‭ ‬تنظيم‭ ‬التعثر‭ ‬المالي‭ ‬وحماية‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭.‬

التجربة‭ ‬العربية‭ ‬

تتنوع‭ ‬التجارب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬قوانين‭ ‬الإفلاس‭ ‬بين‭ ‬تقدم‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬وغياب‭ ‬أو‭ ‬تقادم‭ ‬تشريعي‭ ‬في‭ ‬أخرى‭.‬

في‭ ‬مصر،‭ ‬صدر‭ ‬قانون‭ ‬تنظيم‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬والصلح‭ ‬الواقي‭ ‬والإفلاس‭ ‬برقم‭ ‬11‭ ‬لسنة‭ ‬2018،‭ ‬وهو‭ ‬قانون‭ ‬يمثل‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التشريعات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬يتضمن‭ ‬تنظيمًا‭ ‬متكاملًا‭ ‬لإجراءات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬والصلح‭ ‬الواقي‭ ‬ويتيح‭ ‬للمدين‭ ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬الدائنين‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬لجنة‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬المختصة،‭ ‬كما‭ ‬أنشأ‭ ‬القانون‭ ‬محاكم‭ ‬اقتصادية‭ ‬متخصصة‭ ‬تسهل‭ ‬وتسريع‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضايا؛‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬نسب‭ ‬الإفلاسات‭ ‬المعلنة،‭ ‬وتحسين‭ ‬مناخ‭ ‬الأعمال‭. ‬ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬المصري‭ ‬اعتمد‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬القانون‭ ‬الأميركي‭ ‬والفصل‭ ‬الحادي‭ ‬عشر،‭ ‬مع‭ ‬إدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬تواكب‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المصرية‭.‬

أما‭ ‬لبنان،‭ ‬فيفتقر‭ ‬إلى‭ ‬قانون‭ ‬إفلاس‭ ‬حديث‭ ‬ومتكامل،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬العمل‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬التجارة‭ ‬القديم‭ ‬للعام‭ ‬1942،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتضمن‭ ‬آليات‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬أو‭ ‬تسوية‭ ‬وقائية‭ ‬ويُشكل‭ ‬هذا‭ ‬النقص‭ ‬تحديًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬البلاد،‭ ‬والتي‭ ‬تستدعي‭ ‬تشريعات‭ ‬فعالة‭ ‬لإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬الديون‭ ‬وحماية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭ ‬الكامل‭.‬

في‭ ‬الأردن،‭ ‬صدر‭ ‬قانون‭ ‬الإعسار‭ ‬رقم‭ ‬21‭ ‬لسنة‭ ‬2018،‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬الإفلاس‭ ‬حالة‭ ‬ضمن‭ ‬حالات‭ ‬الإعسار‭ ‬المدني،‭ ‬ويتيح‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬أعمال‭ ‬المدين‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬المحكمة،‭ ‬مع‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬لاستمرارية‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الدائنين،‭ ‬ويُظهر‭ ‬القانون‭ ‬الأردني‭ ‬تقدما‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬آليات‭ ‬متوازنة‭ ‬بين‭ ‬الإنقاذ‭ ‬والتصفية‭.‬

وفي‭ ‬تونس،‭ ‬صدر‭ ‬القانون‭ ‬عدد‭ ‬36‭ ‬لسنة‭ ‬2016،‭ ‬وهو‭ ‬قانون‭ ‬حديث‭ ‬نسبيًّا‭ ‬يتضمن‭ ‬مسطرة‭ ‬الإنقاذ‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الحكم‭ ‬بالإفلاس‭ ‬ويسمح‭ ‬بالتفاوض‭ ‬بين‭ ‬المدين‭ ‬والدائنين‭ ‬قبل‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القضاء،‭ ‬كما‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬تعيين‭ ‬مراقبين‭ ‬مستقلين‭ ‬لمساعدة‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬خطط‭ ‬الإنقاذ؛‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬فرص‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتعثرة‭.‬

أما‭ ‬المغرب،‭ ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬تعديلًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قانون‭ ‬رقم‭ ‬73‭.‬17‭ ‬المتعلق‭ ‬بإصلاح‭ ‬الكتاب‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬مدونة‭ ‬التجارة،‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬الوقاية‭ ‬والتسوية‭ ‬القضائية‭ ‬والتصفية،‭ ‬مع‭ ‬إنشاء‭ ‬قضاء‭ ‬تجاري‭ ‬متخصص،‭ ‬وإتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬إدماج‭ ‬المدين‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬إجراءات‭ ‬الإفلاس،‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬“الفرصة‭ ‬الثانية”‭ ‬للأعمال‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬النموذج‭ ‬التشريعي‭ ‬للإفلاس‭ ‬يتطور‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية‭ ‬من‭ ‬عقوبات‭ ‬تقليدية‭ ‬نحو‭ ‬فلسفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬الوقاية،‭ ‬والإنقاذ،‭ ‬وإعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬يعكس‭ ‬وعيًا‭ ‬متقدمًا‭ ‬بأهمية‭ ‬استمرار‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الدائنين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

ولعل‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬هو‭:‬

‭- ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الإفلاس‭ ‬كمفهوم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الفشل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مرحلة‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭ ‬ضمن‭ ‬دورة‭ ‬حياة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وتجاوزها‭ ‬بإعادة‭ ‬الهيكلة‭.‬

‭- ‬تمكين‭ ‬القضاء‭ ‬من‭ ‬حماية‭ ‬المدين‭ ‬المؤقت‭ ‬من‭ ‬الملاحقة‭ ‬العشوائية،‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬آليات‭ ‬صارمة‭ ‬لمنع‭ ‬سوء‭ ‬الاستخدام‭.‬

‭- ‬اعتماد‭ ‬إجراءات‭ ‬وقائية‭ ‬وتشغيلية،‭ ‬مثل‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية،‭ ‬والصلح‭ ‬الواقي،‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭.‬

‭- ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬قضائية‭ ‬متخصصة‭ ‬وسريعة‭ ‬النظر‭ ‬لتقليل‭ ‬الأضرار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الإفلاس‭.‬

‭- ‬استحداث‭ ‬سجلات‭ ‬للإفلاس‭ ‬تعزز‭ ‬الشفافية،‭ ‬وتوفر‭ ‬معلومات‭ ‬موثوقة‭ ‬للمستثمرين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭.‬

‭- ‬مراعاة‭ ‬خصوصية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة؛‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية

من‭ ‬منظور‭ ‬قانوني‭ ‬واقتصادي،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية،‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬قد‭ ‬وضعت‭ ‬معايير‭ ‬متقدمة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نموذجًا‭ ‬يُحتذى‭ ‬به‭ ‬لباقي‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬شمولية‭ ‬القوانين،‭ ‬ومرونتها،‭ ‬وربطها‭ ‬بمراكز‭ ‬مختصة‭ ‬وأمناء‭ ‬إفلاس‭ ‬محترفين‭.‬

أما‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬تشريعات‭ ‬حديثة،‭ ‬مثل‭ ‬لبنان‭ ‬وقطر‭ ‬والكويت،‭ ‬فيتوجب‭ ‬عليها‭ ‬الإسراع‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬قوانين‭ ‬متطورة‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية،‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬متكامل‭ ‬يضر‭ ‬ببيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬ويضعف‭ ‬من‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭.‬

أما‭ ‬مصر،‭ ‬فلديها‭ ‬تشريع‭ ‬متقدم،‭ ‬لكن‭ ‬التطبيق‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التفعيل‭ ‬الفعلي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدريب‭ ‬القضاة‭ ‬والخبراء‭ ‬وإنشاء‭ ‬وحدات‭ ‬متخصصة،‭ ‬ومراكز‭ ‬تسوية‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬بفعالية‭.‬

ختامًا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬الإفلاس‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬نصوص‭ ‬قانونية‭ ‬صماء،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أدوات‭ ‬حيوية‭ ‬لتحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وحماية‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استدامة‭ ‬الأعمال‭ ‬والفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متجددة‭ ‬ومستقرة‭.‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬عُمان