فاطمة.. أرفع لكِ القبعة

| زهير توفيقي

 في زحمة الحياة وتقلباتها، قد يتعثر الإنسان، وينقطع عن طريقٍ ما كان يأمل أن يبلغه، غير أن القليل فقط هم من يحملون في داخلهم شعلة الإيمان بالحلم، ويُصرّون على أن المسافة لا تُقاس بالعمر، بل بالعزيمة. فقد نشرت الصحف المحلية خبرًا عن البحرينية فاطمة عبدالله علي عبدالرزاق، والتي أعتبرها واحدة من هؤلاء القلائل الذين لا يسمحون للسنين أو الصعاب بأن تكون نهاية الحكاية، بل بداية جديدة.  انقطعت فاطمة عن الدراسة منذ المرحلة الابتدائية، وتحديدًا في الصف الرابع، بسبب ظروف قاهرة أعاقتها عن إكمال مسيرتها التعليمية. لكنها لم تُغلق ذلك الباب تمامًا، بل تركته مواربًا بالأمل. وبعد سنوات طويلة، عادت لتحصل على الشهادة الابتدائية عام 1997، ثم توقفت مرة أخرى. واليوم، وبعد انقطاع دام أكثر من 27 سنة، ها هي تعود مجددًا إلى مقاعد الدراسة، في مرحلة الأول الإعدادي، مستفيدة من نظام الانتساب عن طريق المنازل الذي توفره وزارة التربية والتعليم. ليست فاطمة مجرد طالبة عادت إلى التعليم، بل إنها قصة إرادة متينة وإيمان راسخ بأن العمر لا يُقاس بالسنين، بل بما نصنعه فيها. أن تظل متمسكًا بحلمك لأكثر من ربع قرن، ثم تعود لتحققه، فذلك ليس أمرًا عابرًا. في مجتمعاتنا الخليجية حيث غالبًا ما يُنظر للتعليم المدرسي كمرحلة مرتبطة بعمر معين، تُعتبر فاطمة استثناءً ومثالاً يُحتذى به ورسالة حية بأن الوقت لا يضيع ما دامت هناك رغبة حقيقية في الإنجاز.  ما يميز فاطمة أكثر من غيرها، ليس فقط قرار العودة، بل مثابرتها وسط تحديات لا تخفى، وشكرها وامتنانها لكل من وقف معها، من وزارة التربية والتعليم إلى إدارة مدرسة عالي الإعدادية للبنات، وصولًا إلى صديقتها نورة جاسم التي كانت سندًا وعونًا لها في هذه المسيرة. 

قصة فاطمة دعوة لنا جميعًا لمراجعة مفاهيمنا عن التعليم، العمر، والفرص الضائعة. إنها تؤكد أن الحلم لا يموت مادام القلب حيًّا به. لعلها تكون نموذجًا يُروى في المدارس في المرحلة الابتدائية، ليس فقط لتلاميذ اليوم، بل أيضًا لأولئك الذين يظنون أن الأوان قد فات. فها هي فاطمة تُثبت أن لا شيء يفوت مع من يُصر على اللحاق به.  من وجهة نظري المتواضعة أجد أنه من الضروري إبراز هذه القصص الملهمة في مجتمعنا، فهناك الكثير منها وفي مختلف المجالات. يجب دعوتهم من قبل الجهات الرسمية للتحدث عن تجربتهم الشخصية الغنية التي فيها الكثير من العبر. كما أن دور الإعلام مهم جدًّا في إعطائهم حقهم إعلاميًّا ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية المختلفة.  ولو كان القرار قراري لمنحتها فرصة الدراسة الجامعية من خلال التكفل بالرسوم الدراسية تقديرًا وعرفانًا لما قامت به من صبر وعناء وإرادة. فإذا كانت وزارة التربية والتعليم لا تستطيع التكفل بذلك، فإن الجامعات الخاصة في مملكتنا يجب أن تبادر بهذه الخطوة في إطار سياستها في المسؤولية الاجتماعية وخدمة المجتمع البحريني. قال تعالى “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”.

*كاتب وإعلامي بحريني