دول الخليج.. من نفوذ النفط إلى لاعب عالمي
| أحمد جعفر
جاءت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الخليج لتؤكد أمرًا واحدًا: اعتراف صريح بأهمية ودور دول هذه المنطقة في العالم، وخلال زيارته إلى السعودية وقطر والإمارات تباعًا في أول رحلة خارجية بولايته الثانية، قدم ترامب شهادة دولية بأن دول الخليج العربية أصبحت شريكًا موثوقًا لا غنى عنه في عالم متغير، ليس للولايات المتحدة فقط، بل للقوى الكبرى والعالم أجمع. لطالما نظر العالم إلى الخليج بصورة نمطية قديمة متمثلة بأنه خزان الطاقة العالمي ومصدر لا ينضب للنفط والغاز، لكن المشهد اختلف كليًّا خلال السنوات الماضية مع تغير المعادلات. اليوم، تحولت دول الخليج من اقتصاد ريعي يعتمد على تصدير الوقود الأحفوري، إلى مراكز استثمار وتمويل عالمية تخطط لعصر ما بعد النفط. وشرعت جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست في رؤى اقتصادية شاملة تبدأ نتائجها بالتبلور ابتداء من 2030 وتصل حتى العام 2071، هدفها تحويل اقتصاداتها إلى نماذج تعتمد على المعرفة والابتكار والتقنية والترفيه وغيرها من قطاعات تحقق مصادر دخل جديدة ومستدامة، بعيدًا عن تقلبات أسواق الطاقة التي تؤثر في ميزانيات هذه الدول. وبالتوازي مع ذلك، أصبحت صناديق الثروة السيادية الخليجية التي تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات تملك نفوذًا ماليًّا هائلًا تشتري به حصصًا في كبرى الشركات العالمية، وتؤثر في أسواق المال الغربية والآسيوية على حد سواء.
أما على صعيد الطاقة، فلا تزال دول الخليج تمسك بخيوط اللعبة جيدًا؛ إذ تملك السعودية وحدها طاقة إنتاجية كافية للتأثير بأسعار براميل النفط العالمية، وتلعب دورًا قياديًا داخل تحالف “أوبك بلس”، في حين تعد قطر أحد أعمدة أمن الطاقة لأوروبا من خلال تصدير الغاز الطبيعي المسال، في ظل تحولات ما بعد غزو أوكرانيا وفطم الاتحاد الأوروبي نفسه عن الغاز الروسي. لكن الأهم من كل ذلك هو الدور الجيوسياسي المتنامي لدول الخليج، فبدلًا من الاتكاء على واشنطن ضمن معادلة “النفط مقابل الأمن”، اختارت هذه الدول بناء شراكات اقتصادية شاملة مع الولايات المتحدة، دون إهمال تنويع علاقاتها الاستراتيجية من الصين وروسيا شرقًا، إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا غربًا، ومن الهند كقوة صاعدة في آسيا، إلى أفريقيا كسوق واعدة. هذا التنوع في العلاقات أكسب الخليج مرونة أكبر ومنح قرارات دولها السيادية حصانة، علاوة على لعب دور فاعل في قضايا دولية معقدة دخلت فيها كوسيط موثوق لنزع فتيل الأزمات والحروب. خلاصة القول، إن دول الخليج مع اختلاف أولوياتها، نجحت في صياغة سياساتها من منطلق “اللاعب العالمي” المؤثر في السياسات الدولية، وهذا التحول الذي تزامن مع إصلاحات داخلية ومبادرات تنموية جبارة، جعل من الخليج مكانًا يجتمع فيه الشرق والغرب، وتتقابل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية، وتتعاون فيه الطاقة مع التكنولوجيا في سبيل بناء مستقبل أفضل. ومن هنا، فإن من يقرأ زيارة ترامب في سياقها الصحيح - وهنا لا نتحدث عن من يحمل أحقادًا بداخله - يدرك أن الخليج لم يعد مجرد منطقة اكتسبت أهميتها من الثروة النفطية فحسب؛ بل من كونها أصبحت لاعبًا عالميًّا جديدًا يؤثر في عالم يتجه بخطى ثابتة نحو التعددية القطبية، ويبحث عن شركاء موثوقين لا عن حلفاء تابعين.
كاتب بحريني