النظام الإيراني بين العصا والجزرة

| د. شمسان المناعي

‭ ‬وضع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬زيارته‭ ‬الأخيرة‭ ‬للسعودية‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أمام‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬وبين‭ ‬خيارين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما،‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬مع‭ ‬جيرانه‭ ‬والعالم‭ ‬الخارجي‭ ‬ويتخلى‭ ‬عن‭ ‬برنامجه‭ ‬النووي،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬العقوبات‭ ‬القصوى‭ ‬عليه،‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬أصبح‭ ‬بين‭ ‬العصا‭ ‬والجزرة‭ ‬الأميركية،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬كان‭ ‬وراء‭ ‬أغلب‭ ‬المشكلات‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تبنيه‭ ‬حركة‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬الذين‭ ‬أربكوا‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬شكلوا‭ ‬خطرًا‭ ‬على‭ ‬جيرانهم‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬يستخدمونها‭ ‬لضرب‭ ‬أهداف‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بدعم‭ ‬وتوجيه‭ ‬وتمويل‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬وهو‭ ‬الآن‭ ‬يتبرأ‭ ‬منهم‭ ‬كما‭ ‬تبرأ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والفصائل‭ ‬الموالية‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭.‬

حان‭ ‬الوقت‭ ‬ليدرك‭ ‬ملالي‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬الخريطة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تغيرت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬وهي‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬التغير،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬مقبولا‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬أصبح‭ ‬مرفوضًا‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬فلابد‭ ‬أن‭ ‬ترجع‭ ‬إيران‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬دولة‭ ‬لها‭ ‬سيادتها‭ ‬وإدارتها‭ ‬على‭ ‬شعبها‭ ‬فقط‭ ‬ولا‭ ‬تتدخل‭ ‬ولا‭ ‬تضحي‭ ‬بمصالح‭ ‬شعبها‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬وانخفاض‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وانهيار‭ ‬العملة‭ ‬الإيرانية.

ليغير‭ ‬ملالي‭ ‬إيران‭ ‬طريقة‭ ‬تفكيرهم‭ ‬ويتخلوا‭ ‬عن‭ ‬أوهامهم‭ ‬وأطماعهم‭ ‬التوسعية‭ ‬السابقة‭ ‬وإلا‭ ‬تعرضت‭ ‬إيران‭ ‬للتدمير‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬وليست‭ ‬أميركا‭ ‬فحسب‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتوعد‭ ‬ولكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬كذلك‭ ‬أكثر‭ ‬تهديدا‭ ‬كما‭ ‬صرح‭ ‬ويصرح‭ ‬قادتها‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬تصميمًا‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬المفاعل‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭.‬

وفي‭ ‬زيارته‭ ‬الأخيرة‭ ‬للسعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وقطر‭ ‬واجتماعه‭ ‬بقادة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬الرياض،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬بالفعل‭ ‬زيارة‭ ‬تاريخية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التوقيت‭ ‬والأهداف،‭ ‬وقع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬مع‭ ‬السعودية‭ ‬أكبر‭ ‬صفقة‭ ‬تجارية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭ ‬وفي‭ ‬الشأن‭ ‬السياسي،‭ ‬وقرّر‭ ‬إلغاء‭ ‬العقوبات‭ ‬عن‭ ‬سوريا،‭ ‬وكذلك‭ ‬أعاد‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬تصريحات‭ ‬ما‭ ‬توعد‭ ‬به‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬ووضع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف‭ ‬حيث‭ ‬حثّ‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬ألقاه‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬أثناء‭ (‬المنتدى‭ ‬الاستثماري‭ ‬الأميركي‭ ‬السعودي‭) ‬إيران‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬“مسار‭ ‬جديد‭ ‬وأفضل”،‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬نووي‭ ‬جديد‭. ‬وفي‭ ‬كلمته،‭ ‬قال‭ ‬ترامب‭ ‬إنه‭ ‬يريد‭ ‬تجنب‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬لكنه‭ ‬حذّر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬ينفد‭ ‬مع‭ ‬إحراز‭ ‬إيران‭ ‬تقدمًا‭ ‬سريعًا‭ ‬في‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭. ‬وأضاف‭ ‬قائلًا‭: ‬“كما‭ ‬أوضحتُ‭ ‬مرارًا‭ ‬وتكرارًا،‭ ‬أنا‭ ‬مستعد‭ ‬لإنهاء‭ ‬صراعات‭ ‬الماضي‭ ‬وإقامة‭ ‬شراكات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عالم‭ ‬أفضل‭ ‬وأكثر‭ ‬استقرارًا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬خلافاتنا‭ ‬عميقة”‭. ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬ليشدد‭: ‬“إذا‭ ‬رفضت‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬غصن‭ ‬الزيتون‭ ‬هذا‭... ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬أمامنا‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬ممارسة‭ ‬أقصى‭ ‬الضغوط،‭ ‬وخفض‭ ‬صادرات‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الصفر”‭.‬

وفي‭ ‬نظري‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬لزيارة‭ ‬ترامب‭ ‬للمنطقة‭ ‬هو‭ ‬طمأنة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬أمنها‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬أقدمت‭ ‬أميركا‭ ‬على‭ ‬الحل‭ ‬العسكري‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬لذا‭ ‬لتكن‭ ‬قيادة‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المستجدات،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬أميركا‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الحلول‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬أكثر‭ ‬ميلًا‭ ‬إلى‭ ‬الحل‭ ‬العسكري‭ ‬وستكشف‭ ‬الأيام‭ ‬القادمة‭ ‬نتائج‭ ‬مخاض‭ ‬كل‭ ‬الأحداث‭ ‬والزيارات‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬والسلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬هو‭ ‬الأفضل‭ ‬لإيران‭ ‬والمنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬بأكمله‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني