العزلة الرقمية.. سكونٌ يملأ البيوت وصمتٌ يُطفئ دفء العلاقات

| فاتن حمزة

‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬خطوات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتتعدّد‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل،‭ ‬قد‭ ‬يُخيل‭ ‬إلينا‭ ‬أننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬أكثر‭ ‬قربًا‭ ‬وتواصلًا‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الواقع‭ ‬يحكي‭ ‬لنا‭ ‬حكاية‭ ‬أخرى،‭ ‬حكاية‭ ‬عزلة‭ ‬ناعمة‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬البيوت‭ ‬البحرينية،‭ ‬ترتدي‭ ‬ثوب‭ ‬الحداثة،‭ ‬لكنها‭ ‬تقطع‭ ‬أوصال‭ ‬القربى‭ ‬وتُضعف‭ ‬وشائج‭ ‬المودّة‭. ‬إنها‭ ‬العزلة‭ ‬الرقمية،‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬لحياةٍ‭ ‬متصلة‭ ‬بالشبكة،‭ ‬ومنفصلة‭ ‬عن‭ ‬الأحبة‭.‬

‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت،‭ ‬يجلس‭ ‬الأب‭ ‬على‭ ‬هاتفه‭ ‬يتابع‭ ‬الأخبار‭ ‬أو‭ ‬يرد‭ ‬على‭ ‬رسائل‭ ‬العمل،‭ ‬والأم‭ ‬تقلب‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل‭ ‬باحثة‭ ‬عن‭ ‬لحظة‭ ‬هروب‭ ‬من‭ ‬الروتين،‭ ‬بينما‭ ‬ينشغل‭ ‬الأبناء‭ ‬بتطبيقات‭ ‬الألعاب‭ ‬أو‭ ‬منصات‭ ‬الفيديو،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬في‭ ‬فلكٍ‭ ‬يسبحون‭. ‬الحوار‭ ‬بات‭ ‬مقتضبًا،‭ ‬النظرات‭ ‬قلّت،‭ ‬وضحكات‭ ‬المجالس‭ ‬غابت،‭ ‬وحلّ‭ ‬محلها‭ ‬صمتٌ‭ ‬تتخلله‭ ‬أصوات‭ ‬الإشعارات‭ ‬والتنبيهات‭. ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬تتبادل‭ ‬القصص‭ ‬والضحكات‭ ‬حول‭ ‬مائدة‭ ‬الطعام،‭ ‬أصبحت‭ ‬الآن‭ ‬جسدًا‭ ‬بلا‭ ‬روح‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الهاتف‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬عدوًّا،‭ ‬لكن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدامه‭ ‬بلا‭ ‬ضوابط‭ ‬حوّله‭ ‬إلى‭ ‬حاجز‭ ‬زجاجي‭ ‬بين‭ ‬القلوب‭. ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يُرشد‭ ‬الآباء‭ ‬أبناءهم‭ ‬إلى‭ ‬الاستخدام‭ ‬المتوازن‭ ‬للتقنية،‭ ‬تتحوّل‭ ‬الأجهزة‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬نافعة‭ ‬إلى‭ ‬فاصل‭ ‬عاطفي‭. ‬العمل،‭ ‬الدراسة،‭ ‬الهموم‭ ‬اليومية‭.. ‬جميعها‭ ‬دفعت‭ ‬الأفراد‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭ ‬سهل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الافتراضي،‭ ‬مهملين‭ ‬العالم‭ ‬الواقعي‭. ‬نجهل‭ ‬غالبًا‭ ‬كيف‭ ‬نستخدم‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تبتلع‭ ‬لحظاتنا‭ ‬الثمينة،‭ ‬أو‭ ‬تضعف‭ ‬صِلاتنا‭ ‬الإنسانية‭. ‬العزلة‭ ‬الرقمية‭ ‬لا‭ ‬تقتل‭ ‬اللحظة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تضعف‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬بنية‭ ‬الأسرة‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬مسببه‭ ‬قلة‭ ‬في‭ ‬التواصل،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الاهتمام‭ ‬خارج‭ ‬جدران‭ ‬البيت‭.‬

أبٌ‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬لغة‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وابنٌ‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬لغة‭ ‬المشاعر،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬اجتمعنا‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬واحدة،‭ ‬قلوبنا‭ ‬قد‭ ‬تتباعد‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بينها‭ ‬حديثٌ‭ ‬أو‭ ‬نظرة‭ ‬حانية‭. 

‭ ‬لا‭ ‬يُطلب‭ ‬منّا‭ ‬هجر‭ ‬التقنية،‭ ‬بل‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬لتعود‭ ‬بيوتنا‭ ‬عامرة‭ ‬بالدفء،‭ ‬ونعيد‭ ‬فيها‭ ‬الحوار‭ ‬والضحك،‭ ‬دون‭ ‬شاشات،‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلّا‭ ‬بحضور‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬الأجساد،‭ ‬والقيام‭ ‬بأيّ‭ ‬فعل‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يُعيد‭ ‬بناء‭ ‬الجسر‭ ‬بيننا‭.‬

ليست‭ ‬العزلة‭ ‬ما‭ ‬يُفرض‭ ‬علينا،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬نختاره‭ ‬بأنفسنا‭ ‬عندما‭ ‬نُعلي‭ ‬شأن‭ ‬الأجهزة‭ ‬فوق‭ ‬الإنسان‭. ‬فلننظر‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬من‭ ‬نحب،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نُدمن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الشاشات‭. ‬ولنجعل‭ ‬من‭ ‬التقنية‭ ‬وسيلة‭ ‬للوصل،‭ ‬لا‭ ‬سببًا‭ ‬للقطيعة‭. ‬ففي‭ ‬زمنٍ‭ ‬كثرت‭ ‬فيه‭ ‬الاتصالات،‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسّة‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬الوصال‭.‬

 

كاتبة‭ ‬بحرينية