حُمّى “الفَرَدَانِيَة”!

| د. جاسم المحاري

‭ ‬عُرف‭ ‬“مُختار”‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬بأنانيته‭ ‬الضّارة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يُوبِّخ‭ ‬سائليه‭ ‬متهمًا‭ ‬إياهم‭ ‬بالكسل‭ ‬والتراخي،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬طلبته‭ ‬ملائكة‭ ‬السماء‭ ‬أثناء‭ ‬غفوته،‭ ‬فسألهم‭ ‬عن‭ ‬السبب؟‭ ‬فأجابوه‭: ‬كما‭ ‬فعلتَ‭ ‬يُفعل‭ ‬بك،‭ ‬فلم‭ ‬تُشفق‭ ‬على‭ ‬سائل‭ ‬أو‭ ‬محتاج‭ ‬أو‭ ‬متألم‭! ‬حتى‭ ‬عشت‭ ‬أيامك‭ ‬مُستعبدًا‭ ‬لذاتك‭ ‬ومتجاهلًا‭ ‬لمَنْ‭ ‬حولك‭. ‬ثمّ‭ ‬تلقفته‭ ‬الشياطين‭ ‬وأدخلوه‭ ‬الجحيم،‭ ‬ليُفاجأ‭ ‬بمائدة‭ ‬طعام‭ ‬كبيرة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬جوع‭ ‬شديد،‭ ‬فأخذ‭ ‬يجري‭ ‬مسرعًا‭ ‬نحوها،‭ ‬غير‭ ‬أنّها‭ - ‬أي‭ ‬الشياطين‭ ‬–‭ ‬لاحقته‭ ‬بسياطها‭ ‬النارية،‭ ‬فتوسلهم‭ ‬الرحمة‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭! ‬إلا‭ ‬أنّهم‭ ‬أعطوه‭ ‬فرصة‭ ‬الرجوع‭ ‬للأرض‭ ‬كي‭ ‬يُقدّم‭ ‬الكثير‭ ‬لسائليه‭. ‬فأسرع‭ ‬بمركبته‭ ‬يملأها‭ ‬بما‭ ‬لذّ‭ ‬وطاب‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة،‭ ‬وفي‭ ‬طريق‭ ‬عودته‭ ‬للجحيم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وجد‭ ‬فقيرًا‭ ‬جائعًا،‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬صدقة،‭ ‬فأجابه‭: ‬ليس‭ ‬لديّ‭ ‬وقت‭ ‬للعطاء،‭ ‬إنّي‭ ‬أحمل‭ ‬ما‭ ‬لديّ‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم‭ ‬حتى‭ ‬أجد‭ ‬ما‭ ‬آكله‭ ‬هناك‭! ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬الفقير‭ ‬ألحّ‭ ‬عليه،‭ ‬فرماه‭ ‬بكعكة‭ ‬محروقة‭! ‬وعند‭ ‬وصوله‭ ‬الجحيم،‭ ‬أحسّ‭ ‬بالجوع‭ ‬ولم‭ ‬يُسمح‭ ‬له‭ ‬بالأكل،‭ ‬وبالكاد‭ ‬وجد‭ ‬الكعكة‭ ‬المحروقة‭!‬

يبقى‭ ‬واقع‭ ‬“المُختار”‭ ‬وأشباهه‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬تمركزهم‭ ‬حول‭ ‬ذّواتهم‭ - ‬أو‭ ‬أنانيتهم‭ - ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬التي‭ ‬استشرت‭ ‬بصفاتها‭ ‬الذميمة‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الحاضر،‭ ‬والتي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تُصيب‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬وتميل‭ ‬بصاحبها‭ ‬إلى‭ ‬تغليب‭ ‬ميوله‭ ‬ودوافع‭ ‬استئثاره‭ ‬بالأشياء‭ ‬والمنافع‭ ‬والمصالح‭ ‬والمكانة‭ ‬دون‭ ‬الآخرين؛‭ ‬لعلّة‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القدوة‭ ‬السيئة‭ ‬أو‭ ‬القسوة‭ ‬المفرطة‭ ‬أو‭ ‬التعرّض‭ ‬للحرمان‭ ‬وتأصيل‭ ‬الانتقام‭ ‬وطغيان‭ ‬العداء‭ ‬أو‭ ‬التدليل‭ ‬المُبالغ‭ ‬والنزوع‭ ‬الدنيوي‭ ‬مقابل‭ ‬الغياب‭ ‬الديني‭ (‬المفرط‭) ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬يسودها‭ ‬التعصب‭ ‬لآرائه‭ ‬الفردية‭.

أو‭ ‬يتغلب‭ ‬عليه‭ ‬بأفكار‭ ‬جماعته‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬حيث‭ ‬يطغى‭ ‬عليه‭ ‬الظهور‭ ‬“الفقاعي”‭ ‬والغرور‭ ‬“العظمائي”‭ ‬والطمع‭ ‬“الجشعي”‭ ‬حين‭ ‬ترتفع‭ (‬الأنا‭) ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تجاهل‭ ‬نفسي‭ ‬فضيع‭ ‬وإهمال‭ ‬أسري‭ ‬مدّمر‭.‬

 

نافلة‭: ‬

من‭ ‬الوقائع‭ ‬المتكررة،‭ ‬ما‭ ‬تعجّ‭ ‬به‭ ‬مواقع‭ ‬الاستشارات‭ ‬النفسية‭ ‬والعلاجية‭ ‬بالتعليقات‭ ‬والشكاوى‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أنجع‭ ‬الحلول‭ ‬لمعاناة‭ ‬ذوي‭ ‬الشأن‭ ‬مع‭ ‬ذويهم‭ ‬بسبب‭ ‬أنانيتهم‭ ‬التي‭ ‬يُولدون‭ ‬معها‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬إحساس‭ ‬عادي‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ - ‬وحتى‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬أعمارهم‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬“الخوف‭ ‬المرضي”‭ ‬أثناء‭ ‬تعاملهم‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬وخوفهم‭ ‬من‭ ‬الإخفاق‭ ‬والفشل‭ ‬أو‭ ‬التغيير‭ ‬والتحول‭ ‬أو‭ ‬الرفض‭ ‬والممانعة،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المراحل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستوجب‭ ‬البدء‭ ‬مبكرًا‭ ‬بإجراءات‭ ‬العلاج‭ ‬والوقاية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬غرس‭ ‬روح‭ ‬التشارك‭ ‬وتنمية‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬وبعث‭ ‬المهارات‭ ‬الراقية‭ ‬بجرعات‭ ‬من‭ ‬“الذكاء‭ ‬العاطفي”‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬الحبّ‭ ‬المتبادل‭ ‬والتغذية‭ ‬الجماعية‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬يستشعروا‭ ‬“اللحظة‭ ‬الفارقة”‭ ‬بانتمائهم‭ ‬للمجتمع‭ ‬والمجموع‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني