“Cash is King”

| علي البستكي

‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الاضطراب‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬أزمات‭ ‬مالية،‭ ‬انهيارات‭ ‬سوقية،‭ ‬أوبئة،‭ ‬أو‭ ‬توترات‭ ‬جيوسياسية،‭ ‬تتردد‭ ‬عبارة‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المستثمرين‭ ‬والاقتصاديين‭: ‬“النقد‭ ‬هو‭ ‬الملك”‭ (‬Cash is King‭). ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬بساطتها‭ ‬الظاهرية،‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬في‭ ‬طيّاتها‭ ‬فلسفة‭ ‬مالية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬عميقة‭ ‬تُعنى‭ ‬بإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الضبابية‭. ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬النقد‭ ‬يتربع‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الأصول‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمستثمر‭ ‬الواعي‭ ‬أن‭ ‬يُحسن‭ ‬استخدامه‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الجمود‭ ‬المالي؟

أولاً‭: ‬سيادة‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الشدة

عندما‭ ‬تضطرب‭ ‬الأسواق‭ ‬ويختل‭ ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬تفقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬قيمتها‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬عصية‭ ‬على‭ ‬التسييل‭. ‬الأسهم‭ ‬تهوي،‭ ‬السندات‭ ‬تتراجع،‭ ‬العقارات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يشتريها،‭ ‬وحتى‭ ‬الذهب‭ ‬قد‭ ‬يشهد‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭. ‬لكن‭ ‬النقد،‭ ‬بخلاف‭ ‬ذلك،‭ ‬يظل‭ ‬ثابتًا،‭ ‬سهل‭ ‬الاستخدام،‭ ‬قابل‭ ‬للتوظيف‭ ‬الفوري‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات،‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬المستثمر‭ ‬عن‭ ‬العائد‭ ‬الأعلى‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الأمان،‭ ‬والسيطرة،‭ ‬والمرونة‭.‬

ثانيًا‭: ‬النقد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬“انتظار”‭ ‬بل‭ ‬استراتيجية

هناك‭ ‬من‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقد‭ ‬يعني‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬استثمارية‭ ‬أو‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬المخاطرة،‭ ‬لكن‭ ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الصحيح‭. ‬النقد‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬ليس‭ ‬موقفًا‭ ‬دفاعيًّا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬هجومية‭ ‬أيضًا‭. ‬فهو‭ ‬يمكّن‭ ‬المستثمر‭ ‬من‭ ‬اقتناص‭ ‬فرص‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الاضطراب‭: ‬شراء‭ ‬أسهم‭ ‬بأسعار‭ ‬مدمرة،‭ ‬أو‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬استثمارية‭ ‬كانت‭ ‬مستحيلة‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية‭.‬

ثالثًا‭: ‬مخاطرة‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬السيولة

رغم‭ ‬أهمية‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬الأزمات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬فخًّا‭ ‬خفيًّا‭. ‬التضخم‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬والمعدلات‭ ‬السالبة‭ (‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭) ‬تفرض‭ ‬تكلفة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقد‭. ‬لذا،‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬السيولة‭ ‬كأداة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬لا‭ ‬كاستثمار‭ ‬دائم‭. ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬التحرك‭ ‬الذكي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬لا‭ ‬الجمود‭. (‬التتمة‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭)‬

رابعًا‭: ‬سيكولوجية‭ ‬“الهدوء‭ ‬المالي”

من‭ ‬الناحية‭ ‬النفسية،‭ ‬يوفر‭ ‬النقد‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬المستثمر‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬محفظة‭ ‬مملوءة‭ ‬بأصول‭ ‬متقلبة‭ ‬بالتوتر‭ ‬وربما‭ ‬الذعر،‭ ‬يتمتع‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬بهدوء‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بالرؤية‭ ‬بوضوح‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬الاستثمار،‭ ‬الوضوح‭ ‬النفسي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬التحليل‭ ‬المالي‭.‬

خامسًا‭: ‬أمثلة‭ ‬تاريخية‭ ‬تؤكد‭ ‬المقولة

أزمة‭ ‬2008‭: ‬من‭ ‬احتفظ‭ ‬بسيولة‭ ‬نقدية‭ ‬قبل‭ ‬الانهيار،‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬أصولًا‭ ‬كبرى‭ ‬بأسعار‭ ‬زهيدة،‭ ‬مثل‭ ‬أسهم‭ ‬البنوك‭ ‬التي‭ ‬تعافت‭ ‬لاحقًا‭.‬

جائحة‭ ‬2020‭: ‬المستثمرون‭ ‬الذين‭ ‬باعوا‭ ‬قبل‭ ‬الهبوط‭ ‬واحتفظوا‭ ‬بنقد‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬السوق‭ ‬وتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬ضخمة‭.‬

الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الحالية‭: ‬التقلبات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬النزاعات‭ ‬التجارية‭ ‬تجعل‭ ‬النقد‭ ‬أداة‭ ‬تكتيكية‭ ‬للتحرك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬

سادسًا‭: ‬وارن‭ ‬بافت‭... ‬عندما‭ ‬يتحدث‭ ‬“ملك‭ ‬القيمة”‭ ‬بلغة‭ ‬السيولة

في‭ ‬2025،‭ ‬فاجأ‭ ‬المستثمر‭ ‬الأسطوري‭ ‬وارن‭ ‬بافت‭ ‬الأسواق‭ ‬بزيادة‭ ‬حجم‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬محفظة‭ ‬شركة‭ ‬بيركشاير‭ ‬هاثاواي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬350‭ ‬مليار‭ ‬دولار—وهو‭ ‬مستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عشوائيًّا،‭ ‬يرى‭ ‬بافت‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬مبالغ‭ ‬في‭ ‬تقييمها،‭ ‬وأن‭ ‬الفرص‭ ‬الجيدة‭ ‬نادرة‭ ‬حاليًّا‭. ‬بفضل‭ ‬خبرته‭ ‬الطويلة،‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقد‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الطفرة‭ ‬ليس‭ ‬ضعفًا‭ ‬بل‭ ‬صبرًا‭ ‬استراتيجيًّا‭. ‬

هذا‭ ‬القرار‭ ‬يحمل‭ ‬رسالة‭ ‬صامتة‭ ‬مفادها‭: ‬“استعدوا،‭ ‬الفرص‭ ‬قادمة‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬الآن”‭.‬

ما‭ ‬يفعله‭ ‬بافت‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬ترجمة‭ ‬عملية‭ ‬لفلسفة‭ ‬“النقد‭ ‬ملك”،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لحماية‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬بل‭ ‬للتحرك‭ ‬بثقة‭ ‬عندما‭ ‬تنكشف‭ ‬الغيوم‭.‬

سابعًا‭: ‬هل‭ ‬تبقى‭ ‬السيولة‭ ‬“ملكًا”‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ركود‭ ‬تضخمي؟

في‭ ‬ظل‭ ‬التوقعات‭ ‬المتزايدة‭ ‬بحدوث‭ ‬ركود‭ ‬تضخمي،‭ ‬أي‭ ‬حالة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬تظهر‭ ‬تساؤلات‭ ‬مشروعة‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقد،‭ ‬حتى‭ ‬كأداة‭ ‬تحوط‭.‬

 

كيف‭ ‬تتآكل‭ ‬قيمة‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق؟

التضخم‭ ‬المرتفع‭ ‬يلتهم‭ ‬قوتها‭ ‬الشرائية‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭. ‬عوائد‭ ‬الأدوات‭ ‬النقدية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬التضخم،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عائد‭ ‬سلبي‭ ‬حقيقي‭. ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الركود،‭ ‬الفرص‭ ‬الاستثمارية‭ ‬تكون‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭.‬

 

ما‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأفضل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة؟

توزيع‭ ‬السيولة‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬نقدية‭ ‬متعددة‭ ‬الآجال،‭ ‬لتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الأمان‭ ‬والمرونة‭:‬

أدوات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأمد‭: ‬من‭ ‬أسبوع‭ ‬إلى‭ ‬شهر،‭ ‬تتيح‭ ‬سرعة‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬طارئة‭.‬

أدوات‭ ‬متوسطة‭ ‬الأجل‭: ‬من‭ ‬3‭ ‬إلى‭ ‬9‭ ‬أشهر،‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتوفير‭ ‬عائد‭ ‬نسبي‭ ‬دون‭ ‬مخاطرة‭ ‬كبيرة‭.‬

أدوات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭: ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنة،‭ ‬مخصصة‭ ‬للأموال‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تجميدها‭ ‬مؤقتًا‭ ‬بأمان‭ ‬مع‭ ‬تحقيق‭ ‬عائد‭ ‬واقٍ‭ ‬من‭ ‬التضخم‭.‬

الاحتفاظ‭ ‬بنسبة‭ ‬سيولة‭ ‬مرنة‭ (‬مثل‭ ‬50‭ %) ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المحفظة،‭ ‬مع‭ ‬قابلية‭ ‬الزيادة‭ ‬أو‭ ‬النقصان‭ ‬تدريجيًّا‭ ‬حسب‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬ومؤشرات‭ ‬المخاطر‭. ‬الاحتفاظ‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬أو‭ ‬العملات‭ ‬القوية‭ ‬كتحوّط‭ ‬إضافي‭. ‬قياس‭ ‬الأداء‭ ‬بالقيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للنقد‭. ‬استغلال‭ ‬اللحظات‭ ‬النادرة‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬فرصًا‭ ‬حقيقية‭ ‬تتغلب‭ ‬على‭ ‬التضخم‭.‬

 

خاتمة‭: ‬بين‭ ‬بافت،‭ ‬والسيولة،‭ ‬وتحديات‭ ‬المستقبل

مع‭ ‬بلوغ‭ ‬السيولة‭ ‬لدى‭ ‬شركة‭ ‬بيركشاير‭ ‬هاثاواي‭ ‬حوالي‭ ‬350‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬يعيد‭ ‬وارن‭ ‬بافت‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬ليس‭ ‬ضعفًا‭ ‬بل‭ ‬استعدادًا‭ ‬مدروسًا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الاستعداد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذكيًّا‭ ‬وتكتيكيًّا،‭ ‬لا‭ ‬عاطفيًّا‭ ‬أو‭ ‬متجمدًا‭.‬

فالسيولة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬ليست‭ ‬استثمارًا،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬انتقالية‭ ‬ذكية‭ ‬بين‭ ‬الفرص،‭ ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬احتمالات‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬“هل‭ ‬تستخدم‭ ‬السيولة‭ ‬لتنتظر،‭ ‬أم‭ ‬لتناور؟”

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الحكمة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬تجميد‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إبقائها‭ ‬جاهزة‭ ‬لتُستثمر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬بالمكان‭ ‬الصحيح،‭ ‬وبثمن‭ ‬معقول‭.‬

 

‭* ‬خبير‭ ‬مصرفي‭ ‬بحريني‭ ‬ومستشار‭ ‬اقتصادي