حماية الطفل بين التشريع والاقتصاد

| رجب قاسم

بعض الدول تخصص 10 % من الناتج المحلي لقطاعات التعليم والرعاية مبادرات تمويلية في البحرين لدعم التعليم والرعاية الصحية التجربة الاسكندنافية من أكثر التجارب تطورًا في العالم التحول الاقتصادي في العالم العربي يفرض قضايا عمالة الأطفال

‭ ‬

مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬الطفولة‭ ‬تمثل‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتحضرة،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬درجة‭ ‬التزام‭ ‬الدولة‭ ‬بسيادة‭ ‬القانون‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتُعد‭ ‬معيارًا‭ ‬لرُقي‭ ‬المنظومة‭ ‬التشريعية‭ ‬والعدلية‭ ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬تتنامى‭ ‬فيه‭ ‬التحديات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تتواكب‭ ‬القوانين‭ ‬الوطنية‭ ‬مع‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بحقوق‭ ‬الطفل،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬اتفاقية‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1989‭.‬

الإطار‭ ‬العام‭ ‬لحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬الخليجية

شهدت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬تطورًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حماية‭ ‬الطفولة،‭ ‬حيث‭ ‬عمدت‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬سن‭ ‬تشريعات‭ ‬وطنية‭ ‬تتعلق‭ ‬بحقوق‭ ‬الطفل،‭ ‬بل‭ ‬أنشأت‭ ‬هيئات‭ ‬ومجالس‭ ‬مختصة‭ ‬بذلك‭ ‬ولعل‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭.‬

سلطنة‭ ‬عمان‭: ‬‭ ‬أصدر‭ ‬المشرّع‭ ‬العُماني‭ ‬قانون‭ ‬الطفل‭ ‬العماني‭ ‬بموجب‭ ‬المرسوم‭ ‬السلطاني‭ ‬رقم‭ ‬22‭/‬‏2014،‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬متسقًا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬أحكام‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدولية،‭ ‬متضمنًا‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬للطفل‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬والإيذاء‭ ‬والاستغلال،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أحكام‭ ‬إجرائية‭ ‬تضمن‭ ‬سرية‭ ‬المحاكمات‭ ‬وخصوصية‭ ‬الطفل،‭ ‬كما‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬التزامات‭ ‬الأسر‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬تنمية‭ ‬الطفل‭ ‬البدنية‭ ‬والعقلية‭ ‬والنفسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬بُعد‭ ‬اقتصادي‭ ‬مهم‭ ‬يتعلق‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬منذ‭ ‬المراحل‭ ‬المبكرة‭.‬

الإمارات‭:‬‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة،‭ ‬صدر‭ ‬القانون‭ ‬الاتحادي‭ ‬رقم‭ ‬3‭ ‬لسنة‭ ‬2016‭ ‬بشأن‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬والمعروف‭ ‬بـ”قانون‭ ‬وديمة”،‭ ‬الذي‭ ‬رسّخ‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬الشاملة‭ ‬للطفل،‭ ‬ونص‭ ‬على‭ ‬تجريم‭ ‬الإهمال‭ ‬والتقصير‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬الطفل،‭ ‬بل‭ ‬ومنح‭ ‬سلطات‭ ‬واسعة‭ ‬للجهات‭ ‬المختصة‭ ‬بالتدخل‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الخطر،‭ ‬ويُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القوانين‭ ‬الخليجية‭ ‬شمولًا،‭ ‬إذ‭ ‬تضمن‭ ‬مواد‭ ‬تعالج‭ ‬قضايا‭ ‬معاصرة‭ ‬مثل‭ ‬استخدام‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الإعلانات‭ ‬أو‭ ‬تعريضهم‭ ‬للمحتوى‭ ‬الضار‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬مما‭ ‬يوضح‭ ‬استجابة‭ ‬المشرع‭ ‬للمخاطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاستغلال‭ ‬التجاري‭ ‬للأطفال‭.‬

المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭:‬‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬تم‭ ‬إصدار‭ ‬نظام‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬بموجب‭ ‬المرسوم‭ ‬الملكي‭ ‬رقم‭ ‬م‭/‬‏14‭ ‬لعام‭ ‬2014،‭ ‬والذي‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬أشكال‭ ‬الإيذاء‭ ‬والإهمال‭ ‬والتمييز،‭ ‬وجعل‭ ‬مصلحة‭ ‬الطفل‭ ‬الفضلى‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الإجراءات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬كما‭ ‬أنشأت‭ ‬المملكة‭ ‬خطًّا‭ ‬ساخنًا‭ ‬للتبليغ‭ ‬عن‭ ‬حالات‭ ‬التعرض‭ ‬للعنف‭ ‬الأسري،‭ ‬وفعّلت‭ ‬برامج‭ ‬وقائية‭ ‬داخل‭ ‬المدارس‭ ‬والمراكز‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬ربط‭ ‬ذلك‭ ‬بمبادرات‭ ‬اقتصادية‭ ‬مثل‭ ‬برامج‭ ‬الدعم‭ ‬الأسري‭ ‬والإعانات‭ ‬المشروطة‭ ‬للتعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭.‬

قطر‭ ‬والكويت‭:‬‭ ‬في‭ ‬قطر،‭ ‬اعتمدت‭ ‬الدولة‭ ‬قانون‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬رقم‭ ‬1‭ ‬لسنة‭ ‬2014،‭ ‬والذي‭ ‬رسخ‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬للطفل‭ ‬وربطها‭ ‬بالضمانات‭ ‬الدستورية‭ ‬والمواثيق‭ ‬الدولية،‭ ‬كما‭ ‬أنشأت‭ ‬مؤسسة‭ ‬“الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأطفال”‭ ‬لتقديم‭ ‬المساعدة‭ ‬للأطفال‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬والسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فيما‭ ‬تعمل‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬قانونها‭ ‬الحالي‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬توصيات‭ ‬لجنة‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

مملكة‭ ‬البحرين‭:‬‭ ‬أصدرت‭ ‬البحرين‭ ‬قانون‭ ‬الطفل‭ ‬رقم‭ ‬37‭ ‬لسنة‭ ‬2012،‭ ‬والذي‭ ‬تضمّن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الضمانات‭ ‬القانونية‭ ‬للأطفال،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطلاق‭ ‬والنزاعات‭ ‬الأسرية،‭ ‬كما‭ ‬أنشأت‭ ‬المملكة‭ ‬آليات‭ ‬رصد‭ ‬ومراقبة‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحقوقية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مبادرات‭ ‬تمويلية‭ ‬لدعم‭ ‬التعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭.‬

الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬العربية

بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المشرّع‭ ‬المصري‭ ‬أصدر‭ ‬قانون‭ ‬الطفل‭ ‬رقم‭ ‬12‭ ‬لسنة‭ ‬1996‭ ‬وتعديلاته‭ ‬اللاحقة‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ ‬126‭ ‬لسنة‭ ‬2008،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬الريادية‭ ‬عربيًّا،‭ ‬حيث‭ ‬تناول‭ ‬الحماية‭ ‬الجنائية‭ ‬والإجرائية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للطفل،‭ ‬وأنشأ‭ ‬نيابات‭ ‬ومحاكم‭ ‬خاصة‭ ‬بالأحداث،‭ ‬كما‭ ‬ألزم‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬بوضع‭ ‬برامج‭ ‬تعليمية‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬الطفل،‭ ‬ومنع‭ ‬تشغيل‭ ‬الأطفال‭ ‬دون‭ ‬السن‭ ‬القانونية،‭ ‬وأوجب‭ ‬تأهيل‭ ‬الأطفال‭ ‬المعرضين‭ ‬للخطر،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي‭ ‬مع‭ ‬جهود‭ ‬الدولة‭ ‬لمحاربة‭ ‬الفقر‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭ ‬المستدام‭.‬

وفي‭ ‬تونس،‭ ‬يعتبر‭ ‬قانون‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬رقم‭ ‬92‭ ‬لسنة‭ ‬1995‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬فقد‭ ‬أنشأ‭ ‬مؤسسات‭ ‬مستقلة‭ ‬لحماية‭ ‬الطفولة‭ ‬وأقر‭ ‬بمبدأ‭ ‬مشاركة‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬ضمن‭ ‬ضوابط‭ ‬تراعي‭ ‬مصلحته‭ ‬الفضلى،‭ ‬كما‭ ‬رسخ‭ ‬مفهوم‭ ‬“الطفل‭ ‬المواطن”‭ ‬الذي‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬التعبير‭ ‬والمشاركة،‭ ‬مع‭ ‬إدماج‭ ‬سياسات‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للفئات‭ ‬المهمشة‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬الحماية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

أما‭ ‬المغرب،‭ ‬فقد‭ ‬اختار‭ ‬نهج‭ ‬التعديل‭ ‬التدريجي‭ ‬لمنظومته‭ ‬القانونية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالطفل،‭ ‬وأدخل‭ ‬تعديلات‭ ‬متكررة‭ ‬على‭ ‬مدونة‭ ‬الأسرة‭ ‬والقانون‭ ‬الجنائي‭ ‬لتتضمن‭ ‬أحكامًا‭ ‬تراعي‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل،‭ ‬كما‭ ‬أنشأت‭ ‬الحكومة‭ ‬برامج‭ ‬لحماية‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬الشارع،‭ ‬وفعّلت‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الجمعيات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬وطنية‭ ‬متعددة‭ ‬القطاعات‭ ‬تتضمن‭ ‬تمويلًا‭ ‬مخصصًا‭ ‬لحماية‭ ‬الأطفال‭.‬

التجارب‭ ‬الدولية

تُعد‭ ‬التجربة‭ ‬الاسكندنافية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التجارب‭ ‬تطورًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل،‭ ‬فالنموذج‭ ‬السويدي‭ ‬والدنماركي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬الوقاية‭ ‬والرعاية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬العقوبة،‭ ‬ويضع‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬السياسات‭ ‬العامة،‭ ‬ويُوفر‭ ‬دعمًا‭ ‬ماليًّا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للأسر،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬يُعامل‭ ‬كمواطن‭ ‬كامل‭ ‬الحقوق‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬ولادته،‭ ‬ويتم‭ ‬إشراكه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القرارات‭ ‬الخاصة‭ ‬بتعليمه‭ ‬وصحته‭ ‬كما‭ ‬تُخصص‭ ‬الدول‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لقطاعات‭ ‬التعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬المبكرة‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬فقد‭ ‬تبنّى‭ ‬المشرّع‭ ‬الفرنسي‭ ‬قانون‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬لعام‭ ‬2007‭ ‬وعدّله‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬ليُعزز‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الإهمال‭ ‬الأسري‭ ‬ويوفر‭ ‬الرعاية‭ ‬البديلة‭ ‬للأطفال‭ ‬المحرومين‭ ‬من‭ ‬أسرهم،‭ ‬ويُلزم‭ ‬الدولة‭ ‬بتوفير‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬للطفل‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرعاية،‭ ‬ويتم‭ ‬تمويل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صناديق‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وفي‭ ‬كندا،‭ ‬تخضع‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬لسلطات‭ ‬الأقاليم،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬إطار‭ ‬فيدرالي‭ ‬عام‭ ‬يُلزم‭ ‬بتوفير‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الحماية،‭ ‬ويُعطي‭ ‬الأولوية‭ ‬لمبدأ‭ ‬“الأسرة‭ ‬أولًا”‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬قضايا‭ ‬التفكك‭ ‬والإهمال،‭ ‬ويحرص‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬الأسر‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬دمج‭ ‬الأطفال‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬المباشر‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬الرعاية‭ ‬كما‭ ‬تُخصص‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬موازنات‭ ‬خاصة‭ ‬لرعاية‭ ‬الأطفال‭ ‬الفقراء‭ ‬والمعرضين‭ ‬للخطر‭.‬

التحديات‭ ‬القانونية‭ ‬والاقتصادية

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬التشريعي‭ ‬الملحوظ،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحديات‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة‭ ‬إذ‭ ‬يواجه‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬لهذه‭ ‬القوانين‭ ‬عراقيل‭ ‬عدة،‭ ‬منها‭ ‬ضعف‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬والبشرية،‭ ‬وغياب‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬وضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬القانونية‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬التقاليد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تُكرّس‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬التأديب‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬يفرض‭ ‬ضغوطًا‭ ‬جديدة،‭ ‬أبرزها‭ ‬عمالة‭ ‬الأطفال‭ ‬والاتجار‭ ‬بالبشر،‭ ‬وهي‭ ‬جرائم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُعالج‭ ‬بمنظور‭ ‬قانوني‭ ‬واقتصادي‭ ‬متكامل،‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الردع‭ ‬والعلاج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الأسر،‭ ‬نتيجة‭ ‬لضغوط‭ ‬اقتصادية،‭ ‬قد‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬تشغيل‭ ‬أطفالها‭ ‬أو‭ ‬دفعهم‭ ‬للشارع،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الحلول‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ضرورة‭ ‬حتمية‭ ‬مرافقة‭ ‬للتشريعات‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬قانوني‭ ‬لن‭ ‬يحقق‭ ‬نتائجه‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تزامن‭ ‬مع‭ ‬سياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تُقلل‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬الأسرة‭ ‬وتُعزّز‭ ‬شبكات‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭.

رؤية‭ ‬قانونية

من‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬تُمنح‭ ‬حقوق‭ ‬الطفل‭ ‬الأولوية‭ ‬القصوى‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬الوطنية،‭ ‬وذلك‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التزامًا‭ ‬بالاتفاقيات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬إدراكًا‭ ‬بأن‭ ‬الطفل‭ ‬هو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬الأمة‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬المشرّع‭ ‬أن‭ ‬يضمن‭ ‬الاتساق‭ ‬بين‭ ‬القوانين‭ ‬المختلفة‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بحقوق‭ ‬الطفل،‭ ‬وألا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالنصوص‭ ‬بل‭ ‬يُعزز‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬الرقابة‭ ‬والمساءلة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬إشراك‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وتمكين‭ ‬الهيئات‭ ‬الرقابية‭ ‬المستقلة‭ ‬يعد‭ ‬ضرورة‭ ‬قانونية‭ ‬لضمان‭ ‬فعالية‭ ‬التطبيق‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬المناهج‭ ‬الدراسية‭ ‬ونشر‭ ‬الثقافة‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الوقاية‭ ‬المستقبلية،‭ ‬فالتنشئة‭ ‬الحقوقية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الصفوف‭ ‬الأولى،‭ ‬وهي‭ ‬السبيل‭ ‬لغرس‭ ‬ثقافة‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬والحقوق‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الطفولة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬وطنية‭ ‬وقانونية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬وإن‭ ‬حماية‭ ‬الطفل‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا‭ ‬قانونيًّا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمع‭ ‬آمن‭ ‬ومتوازن،‭ ‬يضمن‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬ويعكس‭ ‬احترام‭ ‬الدولة‭ ‬لمواطنيها‭ ‬في‭ ‬أضعف‭ ‬حالاتهم‭ ‬فكل‭ ‬انتهاك‭ ‬لحقوق‭ ‬الطفل‭ ‬اليوم،‭ ‬يُولد‭ ‬قنبلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬غدًا‭.‬

‭ ‬وختامًا،‭ ‬فإن‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المتغيرات‭ ‬الدولية‭ ‬والتحديات‭ ‬التنموية،‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬فلسفة‭ ‬قانونية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬العدالة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الطفولة،‭ ‬وأن‭ ‬الحماية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬تغليظ‭ ‬العقوبة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحقوق‭ ‬منذ‭ ‬الصغر،‭ ‬وتكريس‭ ‬مبدأ‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬مواطن‭ ‬كامل‭ ‬الحقوق‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬الرأفة‭ ‬بل‭ ‬يستحق‭ ‬العدالة،‭ ‬وأن‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬حضانة‭ ‬الأطفال‭ ‬قبل‭ ‬قاعات‭ ‬المحاكم‭.‬

 

‭* ‬مستشار‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬عُمان