كوالالمبور تستقبل رؤية المنامة

| عبدالله بوقس

‭‬حين‭ ‬تعانق‭ ‬الرؤية‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬فضاءً‭ ‬خصبًا‭ ‬ككوالالمبور،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬عبورًا‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬المؤتمرات،‭ ‬بل‭ ‬فعلًا‭ ‬واعيًا‭ ‬يستبق‭ ‬اللحظة‭ ‬ويستشرف‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭. ‬هكذا‭ ‬جاءت‭ ‬زيارة‭ ‬الوفد‭ ‬الوزاري‭ ‬البحريني‭ ‬إلى‭ ‬ماليزيا‭ ‬مطلع‭ ‬مايو،‭ ‬برئاسة‭ ‬وزيرة‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬نور‭ ‬بنت‭ ‬علي‭ ‬الخليف،‭ ‬ووزير‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عادل‭ ‬فخرو،‭ ‬كمقدمة‭ ‬ذكية‭ ‬لانخراط‭ ‬متوازن‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬الصاعدة،‭ ‬تحضيرًا‭ ‬لقمة‭ ‬رابطة‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ (‬آسيان‭) - ‬الخليج‭ - ‬الصين‭ ‬المرتقبة‭ ‬أواخر‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭. ‬ومع‭ ‬ترؤس‭ ‬ماليزيا‭ ‬للرابطة‭ ‬الإقليمية‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬تبدو‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬البحرين‭ ‬مسارًا‭ ‬تكامليًّا‭ ‬واعدًا‭ ‬يجمع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بالرقمنة‭ ‬والثقافة‭ ‬بالاستدامة‭.‬

‭ ‬ووفقًا‭ ‬لبيان‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬والاستثمار‭ ‬الماليزية،‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬نحو‭ ‬260‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬منها‭ ‬54‭.‬8‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬صادرات‭ ‬بحرينية،‭ ‬و943‭.‬3‭ ‬205‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬واردات‭ ‬من‭ ‬ماليزيا‭. ‬هذا‭ ‬التفاوت‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬خللًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬الحضور‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الماليزية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استثمارات‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الصناعات‭ ‬الحلال‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭.‬

وتدل‭ ‬اللقاءات‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬أجراها‭ ‬الوفد‭ ‬البحريني‭ -‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الماليزي‭ ‬أنور‭ ‬إبراهيم‭ ‬إلى‭ ‬وزارات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭- ‬على‭ ‬تنوّع‭ ‬الملفات‭ ‬وعمق‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتبادل‭. ‬كما‭ ‬تناولت‭ ‬المباحثات‭ ‬إمكانية‭ ‬إنشاء‭ ‬حديقة‭ ‬صناعية‭ ‬ذكية‭ ‬ومركز‭ ‬خدمات‭ ‬عالمي،‭ ‬وتسهيل‭ ‬دخول‭ ‬المستثمرين‭ ‬البحرينيين‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الماليزية‭ ‬عبر‭ ‬هيئة‭ ‬تنمية‭ ‬الاستثمارات‭.‬

ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬موعد‭ ‬القمة‭ ‬الثلاثية،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تفعيل‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وماليزيا،‭ ‬والتي‭ ‬بدأت‭ ‬مفاوضاتها‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬وقد‭ ‬تُشكّل‭ ‬البحرين‭ ‬عنصرًا‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬طرحها،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬علاقاتها‭ ‬الجيدة‭ ‬مع‭ ‬الجانبين،‭ ‬ورؤيتها‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬مجالات‭ ‬التعاون،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬تقاطعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬بين‭ ‬مبادرة‭ ‬“ماليزيا‭ ‬الرقمية”‭ ‬وسياسة‭ ‬“الحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬أولًا”‭ ‬البحرينية‭.‬

إن‭ ‬استقبال‭ ‬كوالالمبور‭ ‬لـ‭ ‬“رؤية‭ ‬المنامة”‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حدثًا‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬اللقاءات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬يُمكن‭ ‬قراءته‭ ‬كتمرين‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬شرق‭ ‬يتشكّل،‭ ‬وشراكات‭ ‬تتعمق‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬المصالح‭ ‬الطارئة‭. ‬فالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬وماليزيا‭ ‬تتطور‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬أكثر‭ ‬نضجًا،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬التقنية‭ ‬بالثقافة،‭ ‬وتنسجم‭ ‬فيه‭ ‬الاستدامة‭ ‬مع‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري،‭ ‬ويتحول‭ ‬فيه‭ ‬التفاهم‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬مؤسسية‭.‬

وإذ‭ ‬تمضي‭ ‬البحرين‭ ‬نحو‭ ‬قمة‭ ‬آسيان‭ - ‬الخليج‭ - ‬الصين،‭ ‬فإن‭ ‬زيارتها‭ ‬إلى‭ ‬كوالالمبور‭ ‬تُشكل‭ ‬لبنة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬أكثر‭ ‬طموحًا‭ ‬يعيد‭ ‬تموضع‭ ‬الخليج‭ ‬ضمن‭ ‬قلب‭ ‬آسيا‭ ‬المتعدد‭ ‬الأبعاد‭. ‬فالرؤية‭ ‬لا‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬الأرقام‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬خطاب‭ ‬جديد‭ ‬يُقنع‭ ‬الشريك‭ ‬الآسيوي‭ ‬بأن‭ ‬الخليج‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مورد،‭ ‬بل‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬النمو،‭ ‬وقوة‭ ‬ناعمة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬صياغة‭ ‬معادلة‭ ‬مستقبلية‭ ‬عادلة‭ ‬وواعدة‭ ‬للجميع‭.‬

 

* صحفي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور