السجون الناعمة
| سيد ضياء الموسوي
يا ولدي، أنا أحتسي قهوتي كل صباح مبتلة بالدموع، لا أحد معنا، الجميع تخلّى عنا، تركُونا كسمكٍ يتقلب على قاربٍ قديمٍ لصيادٍ عجوز بلا بوصلة، ننظر إلى السماء أملاً، لكننا نعلم أن المصير هو الجحيم. هل قدري كأمٍ أن أزفّ ابني لمقبرة بينما أبناؤهم يعيشون في النعيم؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ أهذا هو الخلاص الوجودي؟ أهذه هي السعادة الأبدية التي يبيعها علينا السياسي والديني أجيالًا تتوارثها الأمهات لإرضاء غرورٍ منتفخٍ نرجسي يقودنا بمغامراتٍ سياسية؟ كلهم مغامرون يا ولدي، أعمامك ذهبوا ضحية المد القومي أيام مغامرات جمال عبد الناصر، ومنهم من سقط في محارق عبد الكريم قاسم بعد إسقاط الملكية في العراق، وجارُنا راح ضحية رومانسية الشيوعية التي تحوّلت كل أنظمتها رأسمالية أو دكتاتورية، أما البقية فتناصفهم حزبا البعث العراقي والبعث السوري، وضاع النظامان بسبب التكلس والشعارات الفارغة التي لا تُؤكَل خبزًا. أما يا ولدي، الأجيال الأخرى من السنة فراحوا في فرّامة لحم الإخوان المسلمين أو القاعدة، والشيعة في فرّامة ولاية الفقيه أو حزب الدعوة. هؤلاء يمتلكون قدرة على تحشيد الجماهير، لكن لا يمتلكون مشروع سعادة واقعية للشباب، وبسبب مغامراتهم يُخرّب الاقتصاد والأمن. الزعيم الذي لا يُطعم جماهيره سوى (سندويشات الأكفان)، ولا تُحصّل من ورائه سعادة ولا راحة بال ولا حياة، زعيم يستهلك من حوله ليُشبع غروره ثم يُلقيهم كأعقاب سجائر محترقة. هذا المتخم خرافاتٍ تاريخية وصكوكَ غفرانٍ بالية، ويظل يبيعك الوهم وهو يلاحقك في اقتطاع مال أبيك من الزواج إلى العقيقة إلى الخمس أو الزكاة إلى الوفاة، حتى وأنت تُغرس في القبر مكفناً يأخذ منك مالاً، وإذا وهبت مالك وقفاً استولى عليه. ماذا قدمت كل هذه المشاريع المؤدلجة للناس غير تراكم الخيبات والجثث؟ قل لي يا ولدي؟ من الناصرية إلى البعثية إلى الإسلامية؟ هل تعرف هذا السياسي البراجماتي؟ إنه كساحرٍ مخادعٍ يبيعك السراب في قناني ذهبية. بعد رحيل الابن جثة هامدة على مسلخ قراراتهم المرتجلة، سيتزاحمون على بيوتنا لالتقاط صور ويعطونا صدقاتٍ إعلامية لـ “الشو”، ولكن بمجرد أن يغادروا يتركوننا للظلام. تدور الأمهات بين مكاتب الوكلاء يبحثن عن صدقةٍ جارية، مكاتب الزكاة أو الخمس عن لقمة عيش فتُذلّ أشد إذلال. ذات يوم طرقتُ مكاتبهم أطلب مساعدة لابني الذي عاد من مغامراتهم بعينٍ واحدة ووجعٍ في الخاصرة وكسورٍ في الحلم. لا أحد يستقبلنا في مكاتبهم إلا قلة. أعرف رجل دينٍ طيبا يقتطع من طعامه ليكفكف يتاماي الصغار. قلةٌ منهم الطيبون، لكنهم موجودون. هؤلاء الطيبون من رجال الدين ليسوا كأولئك الديناصورات، ليسوا كذاك المتخم غرورًا من هذا الحزب أو من ذاك، والذي يعيش صاحبه في معبد ذاته، يعبد صورته ولا يرى غيره. إنه كنجمٍ محترق لا نراه إلا عند تراكم الأكفان. لا عليك، هم شبعوا من الدنيا حريرا وإستبرقا وحورَ عينِ دنيا، إنهم يُؤبّنون أطفالنا بخطابات طالما نزلت في قلوبنا مثل خنجرٍ مغلّفٍ بالحرير... ولم نحصل على شيء. يا ولدي، أنا ما أنجبتك لتموت في مغامرةٍ سياسية ثم يتكدسوا على بيتي لإعطائي باقة وردٍ بأربع دراهم!! يجب وقف هذه المهزلة، أنا أريدك أن تدخل الجامعة، فالشهادة الجامعية سلاحك في أي أرض، وأريد أن أراك ناجحا، وتتمتع بالحياة، وتلبس أجمل لباس، وأرى أحفادك. ليس قدرنا أن نقدم الضحايا، ليس قدرنا أن تضيع أعماركم على بابِ عتبةِ رصيف. الحياة قصيرة، استمتع بـ “كوكتيل الحياة”، ثقافة وأناقة ورياضة وجامعة وسفر وموسيقى، وأيضاً مع قيم وأخلاق. يكفي ثقافة موت. يا ولدي، هناك سجون ناعمة، سجون لا تراها بالعين المجردة، سجون معنوية، سجن الفكرة، سجن التاريخ، سجن الخرافة، سجن تأليه الموت. قد تُخفف وجع الهروب بداخلك، تُنسيك فراغ الأمل، تُلامس وجعك الداخلي، تُخفف ألم الواقع، لكنها يا ولدي، كلها سجون، ولو كانت مزخرفة. يقول أدونيس: “أمرّ السجون التي لا جدران لها” ويقول نيتشه: “لا أحد يحمل فوضاك مثلك، لا تنتظر من يرتبك من الداخل”. ويقول سيد الحكماء الإمام علي (ع): “لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل، ولا ميراث كالأدب”.