المسلمون في أوروبا.. الاعتدال والاندماج
| حسن المصطفى
ازدحمت الشوارع بالمصلين، كانت الصفوف كالبنيان المرصوص، وكلٌ يهنئ الآخر بعيدِ الفطر المبارك، وهم يصغون إلى الضيف الذي أتاهم مهنئًا ومشاركًا إخوته فرحتهم. الجامع الكبير بالعاصمة الألبانية “تيرانا”، اعتلى منبره الأمين العام لـ “رابطة العالم الإسلامي” الشيخ محمد العيسى، مارس الماضي، تلبية لدعوة رئيس جمهورية ألبانيا باجرام بيجاج، حيث احتشد آلاف المصلين، منصتين لخطبة العيسى التي اعتبر فيها أن الشعب الألباني مثل “نموذجًا حضاريًّا عاليًا في تديُّنه ووئام مجتمعه وسِلْمِه، ونموذجًا رفيعًا في مكارم الأخلاق”. العيسى لم تقتصر زيارته لألبانيا على إمامة المصلين، بل التقى كبار القيادات الحكومية والدينية، ما يعني أن الهدف أبعد من مجرد “الاحتفاء بالعيد”، إنما يأتي ضمن رؤية “رابطة العالم الإسلامي” الساعية نحو تعزيز العمل المشترك مع القيادات السياسية والروحية في أوروبا، ومساعدتهم على حل المشكلات التي يواجهونها، خصوصًا تلك المتعلقة بـ “الهوية” و”الاندماج” وترسيخ “الاعتدال” ومواجهة خطر التنظيمات المتطرفة التي تحاول استقطاب الجيل الجديد من المسلمين الأوروبيين، مستغلة الحمية الدينية من جهة، والمساحة الواسعة من حرية التعبير والحركة التي تتيحها الأنظمة الأوروبية. خلال أبريل الماضي زارت مجموعة من القيادات الدينية المسلمة البريطانية المدينة المنورة، واجتمعت مع الشيخ محمد العيسى، متناولة في لقائها وثيقتين أساسيتين أصدرتهما “الرابطة”، الأولى “وثيقة مكة المكرمة”، والثانية “وثيقة بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية”، واللتين تعتبران إطارين قانونيين وشرعيين وأخلاقيين في ذات الوقت، وبمثابة “خارطة الطريق” للعلاقة بين المسلمين وبعضهم البعض، وبين المسلمين والأديان والثقافات الأخرى.
ما يجعل منهما نصين إرشاديين يمكن لهذه القيادات أن تستفيد منهما في الفضاء الأوروبي الأوسع، لترسيخ قيم التعددية واحترام الآخر، ومواجهة خطابات العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا! إن ما يجري في الشرق الأوسط من حروب دامية، وما يتهدّد الدول العربية من أزمات، ينعكس مباشرة على وضع المسلمين في أوروبا، ولذا تسعى “رابطة العالم الإسلامي” بالشراكة مع القيادات والمؤسسات الدينية والمدنية في أوروبا لتحصين المسلمين هناك، وبناء إطار مفاهيمي أكثر وعيًا برحمانية الدين وفاعليته.. وللحديث تتمة.
كاتب وإعلامي سعودي