تركيا والدول العربية: ديناميكيات الاقتصاد والسياسة
| د. أحمد الخزاعي
تشهد العلاقات بين تركيا والدول العربية اليوم مرحلة معقدة ومتعددة الأوجه، تتأثر بعوامل سياسية واقتصادية وجيوسياسية. فمنذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بالعام ٢٠٠٢ بقيادة رجب طيب أردوغان، تبنت تركيا سياسة خارجية طموحة تهدف إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، مع التركيز على المنطقة العربية كجزء من استراتيجية تخفيض التوترات مع الدول الجارة. ورغم ذلك، تمر هذه العلاقات بمراحل من التقارب والتوتر؛ ما يجعل تحليل الوضع الحالي ضروريًا لفهم ديناميكيات المنطقة. تاريخيًا، تأثرت العلاقات بين تركيا والدول العربية بطبيعة الحال بالإرث العثماني، حيث كانت المنطقة العربية لحد كبير جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لقرون. الإرث الذي ترك مشاعرا مختلطة، حيث ينظر البعض إلى تركيا كقوة إسلامية تاريخية، بينما يرى آخرون فترة الحكم العثماني السبب الرئيس لاستعانتهم ببريطانيا ودول أخرى لوضع حد للانتهاكات العثمانية آنذاك. أما ما يرمي بظلاله لحد كبير على الأحداث اليوم هو توجه تركيا لأوروبا والغرب بعد تأسيس الجمهورية التركية في العام ١٩٢٣؛ ما قلل من تفاعلها مع العالم العربي حتى منتصف القرن العشرين. ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بالعام ٢٠٠١، تغيرت السياسة الخارجية التركية، حين تبنت نهجًا يركز على التوازن بين الشرق والغرب أكثر من ذي قبل، مع اهتمام متزايد بالمنطقة العربية. هذا التحول تزامن مع ثورات الربيع العربي في العام ٢٠١١، الذي شكل نقطة تحول في العلاقات التركية - العربية. فقد دعمت تركيا بعض تلك الحركات في دول مثل مصر وسوريا؛ ما أدى إلى تقارب مع بعض الدول على حساب توترها مع أخرى. كما تشهد العلاقات بين تركيا ودول الخليج، خاصة قطر والإمارات، تطورًا ملحوظًا. مع قطر، تتمتع تركيا بعلاقة استراتيجية قوية، حيث يشترك البلدان في مواقف مشتركة تجاه قضايا مثل الأزمة السورية والقضية الفلسطينية، وأشار وزير الخارجية التركي مؤخرا إلى أن العلاقة مع قطر “استراتيجية وتخدم استقرار المنطقة”، مع تعاون دفاعي متزايد وتنسيق في القضايا الدولية. أما مع الإمارات، فقد شهدت العلاقات تحسنًا كبيرًا بعد سنوات من التوتر بسبب دعم تركيا لجماعات الإسلام السياسي وخلافات حول ليبيا. وأتت زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى تركيا في العام ٢٠٢١، تلتها زيارة أردوغان إلى الإمارات بالعام ٢٠٢١، معززة التعاون الاقتصادي، مع إعلان الإمارات عن صندوق استثمار بقيمة ١٠ مليارات دولار في تركيا يركز على القطاعات اللوجستية والطاقة. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني).
كانت العلاقات التركية - المصرية من أكثر العلاقات توترًا بعد عزل الرئيس محمد مرسي بالعام ٢٠١٣، حيث دعمت تركيا جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بينما اعتبرت مصر هذا الدعم تدخلا في شؤونها. ومع ذلك، بدأت عملية ارجاع العلاقات تدريجيا منذ ٢٠٢١، وبلغت أوجها مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في ٢٠٢٤، التي أسفرت عن توقيع نحو ٢٠ اتفاقية في مجالات الدفاع، الطاقة، والسياحة، حيث تهدف هذه الاتفاقيات إلى زيادة حجم التجارة البينية من ١٠ مليارات دولار إلى ١٥ مليار دولار. أما بالنسبة لسوريا، فتعد من أكثر الملفات تعقيدًا. فمنذ تدخل تركيا العسكري في شمال سوريا في العام ٢٠١٦، سيطرت تركيا على مناطق مثل عفرين وتل أبيض، وهو ما أثار انتقادات عربية، خاصة من الجزائر التي اعتبرت التدخل إخلالا بسيادة الدول. كما أن سياسة تركيا في إعادة توطين اللاجئين السوريين في مناطق آمنة أثارت مخاوف من التغيير الديموغرافي، خاصة بين الأكراد. وبما يخص العراق، تعتبر تركيا الشريك التجاري الأول، حيث بلغت صادراتها للعراق ١٠.٨ مليار دولار في ٢٠٢٤. ومع ذلك، تثير العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق توترات مع الحكومة العراقية، التي تطالب باحترام سيادتها. يجب علينا هنا عدم إغفال ما تشكله التجارة مع الدول العربية من ركيزة أساسية للاقتصاد، ففي الفترة من يناير إلى أكتوبر ٢٠٢٤، بلغت صادرات تركيا إلى الدول العربية ٣٩.٣ مليار دولار، بنمو 7.7 % مقارنة بالعام السابق. ويتصدر العراق القائمة، تليه الإمارات العربية المتحدة ومصر ثم المملكة العربية السعودية. وتشمل الصادرات الرئيسية المواد الكيميائية، المجوهرات، والمنتجات الزراعية. كما تسعى تركيا لتعزيز الاستثمارات المتبادلة. على سبيل المثال، وقّعت مصر وتركيا اتفاقيات لتوسيع التجارة الحرة وإعادة تشغيل خطوط النقل البحري بين مرسين والإسكندرية. أما في سوريا، يُصدّر زيت الزيتون من مناطق مثل عفرين عبر تركيا؛ ما يعزز الاقتصاد المحلي في المناطق التي تسيطر عليها تركيا. تواجه تركيا انتقادات من بعض الأوساط العربية بسبب سياساتها، إذ يرى البعض أن تدخلها في سوريا وليبيا يهدف إلى الهيمنة الإقليمية، بينما يتهم آخرون تركيا بدعم جماعات الإسلام السياسي، مثل الإخوان المسلمين. كما أن سياسة تركيا في إدارة ملف الهجرة، بما في ذلك ترحيل المهاجرين غير النظاميين، أثارت جدلا حول حقوق الإنسان. ورغم التحديات، هناك فرص كبيرة لتعزيز العلاقات، حيث يمكن لتركيا أن تلعب دورًا محوريًا في إعادة إعمار دول مثل سوريا وليبيا، والعراق أيضا، مستفيدة من خبرتها في البنية التحتية. كما أن التعاون في مجالات الطاقة، مثل الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، يمكن أن يعزز الشراكات مع دول مثل مصر والإمارات. إضافة إلى ذلك، يمكن للموقف التركي الداعم للقضية الفلسطينية أن يعزز صورتها في الشارع العربي. العلاقات بين تركيا والدول العربية اليوم تمزج بين الفرص والتحديات. فبينما تسعى تركيا لاستقرار علاقاتها مع دول مثل مصر والإمارات، تواجه انتقادات بسبب تدخلاتها العسكرية وسياساتها الإقليمية. اقتصاديًا، تظل تركيا شريكًا تجاريًا رئيسيًا، مع إمكانات نمو كبيرة، حال استقرار علاقاتها مع دول الخليج التي تلعب دورا محوريا في دعم الاقتصاد التركي. كما يعتمد نجاح تركيا في تعزيز نفوذها العسكري والسياسي على قدرتها في بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة، مع احترام سيادة الدول العربية وحساسياتها السياسية. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، ستظل تركيا لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، لكن طبيعة هذا الدور ستتحدد بناءً على توازنها بين الطموح الإقليمي والتعاون البنّاء.