“عودك رنان” لفيروز

| رضي السماك

اسم‭ ‬“علي”‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬الجميلة‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬كافة،‭ ‬أيًّا‭ ‬كان‭ ‬تفاوت‭ ‬درجات‭ ‬المكانة‭ ‬بين‭ ‬فئاتهم‭ ‬الدينية‭ ‬تجاهه،‭ ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬مكانة‭ ‬اسمه‭ ‬قبل‭ ‬انقسام‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين،‭ ‬كما‭ ‬جذبت‭ ‬خصاله‭ ‬وشمائله‭ ‬في‭ ‬الحق‭ ‬والشجاعة‭ ‬والعدل‭ ‬لدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتّاب‭ ‬والمفكرين‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬الطوائف‭ ‬الأخرى‭ ‬غير‭ ‬المسلمة‭ ‬كالمسيحيين‭ ‬العرب،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬اُتخذ‭ ‬لاحقًا‭ ‬رمزًا‭ ‬مقدسًا‭ ‬لطائفة‭ ‬بعينها‭. ‬وفي‭ ‬عزّ‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬اللبنانية‭ (‬1975‭ - ‬1990‭) ‬أواسط‭ ‬الثمانينيات‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬ذكراها‭ ‬الخمسون‭ ‬الشهر‭ ‬الفائت‭ ‬غنت‭ ‬العظيمة‭ ‬فيروز‭ ‬أغنيتها‭ ‬الشهيرة‭ ‬الجميلة‭ ‬“عودك‭ ‬رنان‭ ‬يا‭ ‬علي”‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أية‭ ‬اعتبارات‭ ‬طائفية،‭ ‬وحققت‭ ‬الأغنية‭ ‬نجاحًا‭ ‬ساحقًا؛‭ ‬لجمال‭ ‬الكلمات‭ ‬والألحان‭ ‬والتوزيع،‭ ‬وقد‭ ‬لحّنها‭ ‬وكتب‭ ‬كلماتها‭ ‬ابنها‭ ‬الفنان‭ ‬الكبير‭ ‬زياد‭ ‬الرحباني،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬جرت‭ ‬بين‭ ‬اليسار‭ ‬ذي‭ ‬الأغلبية‭ ‬المسلمة‭ ‬واليمين‭ ‬ذي‭ ‬الأقلية‭ ‬المسيحية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الطرفين‭ ‬لم‭ ‬يتورعا‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬الانتماء‭ ‬الطائفي‭ ‬في‭ ‬تأجيج‭ ‬الحرب‭ ‬والشحن‭ ‬والتحشيد،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬جورج‭ ‬حاوي‭ ‬أمين‭ ‬عام‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الراحل‭ ‬ينقل‭ ‬عن‭ ‬كمال‭ ‬جنبلاط،‭ ‬زعيم‭ ‬تحالف‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية،‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬فيها‭ ‬الغلبة‭ ‬لليسار‭ ‬والمسلمين‭ ‬قوله‭: ‬نصفهم‭ (‬يقصد‭ ‬المسيحيين‭) ‬سيشهر‭ ‬إسلامه،‭ ‬والنصف‭ ‬الآخر‭ ‬سيستسلم‭ ‬أو‭ ‬يقتل‭! (‬انظر‭ ‬كتاب‭ ‬غسان‭ ‬شربل،‭ ‬جورج‭ ‬حاوي‭ ‬يتذكر‭).‬

كانت‭ ‬فيروز‭ ‬في‭ ‬أغنيتها‭ ‬تمجد‭ ‬العود‭ ‬أشهر‭ ‬آلة‭ ‬موسيقية‭ ‬عريقة‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مللهم‭ ‬ودياناتهم،‭ ‬ولكن‭ ‬شريحة‭ ‬اجتماعية‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الأفق‭ ‬الضيق‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬أنوفهم‭ ‬جيروا‭ ‬تفسيرها‭ ‬بأنها‭ ‬إساءة‭ ‬للإمام‭ ‬علي،‭ ‬وكأن‭ ‬الإمام‭ ‬يتعاطى‭ ‬في‭ ‬زمانه‭ ‬مع‭ ‬الفن‭ ‬الموسيقي‭! ‬وفي‭ ‬حوار‭ ‬أجرته‭ ‬إحدى‭ ‬القنوات‭ ‬المصرية‭ ‬مع‭ ‬الفنان‭ ‬زياد‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬علّق‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الواقعة‭ ‬ساخرًا‭: ‬ألم‭ ‬يجدوا‭ ‬ضالتهم‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬فيروز‭ ‬لاتهامها‭ ‬بالطائفية؟‭ ‬وهي‭ ‬الفنانة‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬بوقوفها‭ ‬موقفًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬محايدًا‭ ‬بين‭ ‬مجانين‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭.

مع‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الروشة‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬المنقسمة‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬المحسوب‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭.‬

يُنسب‭ ‬للرسول‭ ‬في‭ ‬عصره‭ (‬ص‭) ‬القول‭: ‬الفتنة‭ ‬نائمة‭ ‬لعن‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬أيقظها‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الفتن‭ ‬تظل‭ ‬هاجعة‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬الوئام‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬الشعوب،‭ ‬لكن‭ ‬للأسف‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تُوظف‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬شديد‭ ‬الاضطراب،‭ ‬وغالبًا‭ ‬لغايات‭ ‬دينية‭ ‬سياسية‭!.‬

كاتب‭ ‬بحريني