بداية الشيخوخة من ماليزيا

| عبدالله بوقس

‭ ‬ليست‭ ‬الشيخوخة‭ ‬خفوتًا،‭ ‬بل‭ ‬انبعاثًا‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الحياة،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬يمنحنا‭ ‬فرصة‭ ‬أخيرة‭ ‬للتأمل،‭ ‬لا‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭. ‬ووسط‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬العميق،‭ ‬تبرز‭ ‬ماليزيا‭ ‬لا‭ ‬كمجرد‭ ‬بلد،‭ ‬بل‭ ‬كأفقٍ‭ ‬جديد‭ ‬لحياة‭ ‬ثانية،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬يظن‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قد‭ ‬انتهى‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الأفق،‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬الشيخوخة‭ ‬نهاية‭ ‬العمر،‭ ‬بل‭ ‬بدايته‭ ‬الهادئة،‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬سباق‭ ‬الوظائف‭ ‬وضوضاء‭ ‬الالتزامات‭.‬

في‭ ‬تقريرها‭ ‬السنوي‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬وضعت‭ ‬مجلة‭ (‬ليفينغ‭) ‬الدولية‭ ‬ماليزيا‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬السابعة‭ ‬ضمن‭ ‬أفضل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬للتقاعد،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬دولة‭ ‬شملها‭ ‬التقييم‭. ‬وجاء‭ ‬التصنيف‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬دقيقة‭ ‬تشمل‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬المعقولة،‭ ‬جودة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬سهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الإقامة،‭ ‬المناخ‭ ‬المعتدل،‭ ‬الأمن‭ ‬المجتمعي،‭ ‬والتنوع‭ ‬الثقافي‭. ‬وقد‭ ‬برزت‭ ‬ماليزيا‭ ‬كوجهة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬مريح،‭ ‬بأسعار‭ ‬لا‭ ‬ترهق‭ ‬المتقاعد،‭ ‬بل‭ ‬تمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬ذاته‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أعباء‭ ‬الماضي‭.‬

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬عوامل‭ ‬الجذب‭ ‬في‭ ‬ماليزيا‭ ‬هو‭ ‬برنامج‭ ‬“ماليزيا‭ ‬بيتي‭ ‬الثاني”‭ ‬Malaysia My Second Home‭ (‬MM2H‭) ‬الذي‭ ‬أطلقته‭ ‬الحكومة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين،‭ ‬مستهدفًا‭ ‬أولئك‭ ‬المتقاعدين‭ ‬والراغبين‭ ‬في‭ ‬الإقامة‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬

يمنح‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬إقامة‭ ‬قابلة‭ ‬للتجديد‭ ‬لعشر‭ ‬سنوات،‭ ‬مع‭ ‬تسهيلات‭ ‬مالية‭ ‬مغرية،‭ ‬وإعفاءات‭ ‬ضريبية‭ ‬جذابة،‭ ‬وحرية‭ ‬تملك‭ ‬العقارات‭. ‬كما‭ ‬يتيح‭ ‬للمستفيدين‭ ‬ضم‭ ‬أسرهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الإقامة‭ ‬طابعًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬لا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬البُعد‭ ‬البيروقراطي‭. ‬

ورغم‭ ‬تعديلات‭ ‬شروط‭ ‬البرنامج‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬الأخيرة‭ ‬والتي‭ ‬رفعت‭ ‬من‭ ‬المتطلبات‭ ‬المالية،‭ ‬فإنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحظى‭ ‬بإقبال‭ ‬واسع‭ ‬نظرًا‭ ‬لما‭ ‬يوفره‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬وفرص‭ ‬حقيقية‭ ‬لبداية‭ ‬مريحة‭ ‬لحياة‭ ‬جديدة‭.‬

الحياة‭ ‬في‭ ‬ماليزيا‭ ‬تتجاوز‭ ‬المعايير‭ ‬التقنية‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬شعورية‭ ‬متكاملة‭. ‬فالتنوع‭ ‬العرقي‭ ‬الغني‭ ‬من‭ ‬ماليزيين‭ ‬وصينيين‭ ‬وهنود،‭ ‬يشكّل‭ ‬نسيجًا‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬منفتحًا،‭ ‬يمنح‭ ‬للوافد‭ ‬شعورًا‭ ‬سريعًا‭ ‬بالانتماء‭. ‬

هذا‭ ‬التناغم‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬الطعام،‭ ‬والعمارة،‭ ‬وأسلوب‭ ‬الحياة،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬الثقافات‭ ‬في‭ ‬سلاسة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬التصادم،‭ ‬بل‭ ‬تُثمر‭ ‬تعايشًا‭ ‬يوميًّا‭ ‬يُشبه‭ ‬قصيدة‭ ‬كتبت‭ ‬بلغاتٍ‭ ‬متعددة،‭ ‬لكنها‭ ‬مفهومة‭ ‬بروح‭ ‬واحدة‭.‬

الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬ماليزيا‭ ‬مشهود‭ ‬لها‭ ‬إقليميًّا‭ ‬بجودتها‭ ‬وتكلفتها‭ ‬المعقولة،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المتقاعد‭ ‬أمانًا‭ ‬صحيًّا‭ ‬لا‭ ‬تملكه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬تطورًا‭. ‬أما‭ ‬المناخ،‭ ‬فهو‭ ‬استوائي‭ ‬دافئ‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العام،‭ ‬يتخلله‭ ‬المطر‭ ‬برقة‭ ‬منتظمة،‭ ‬لا‭ ‬يعكر‭ ‬صفو‭ ‬العيش‭ ‬بل‭ ‬يغسله‭ ‬من‭ ‬ضجيج‭ ‬المواسم‭ ‬المتقلبة‭.‬

إن‭ ‬التقاعد‭ ‬في‭ ‬ماليزيا‭ ‬ليس‭ ‬انسحابًا‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬ميلادًا‭ ‬جديدًا‭ ‬لها‭. ‬ففي‭ ‬أرض‭ ‬تتكلم‭ ‬الطبيعة‭ ‬فيها‭ ‬بلغة‭ ‬المطر،‭ ‬وتتنفس‭ ‬المدن‭ ‬بروح‭ ‬التسامح،‭ ‬تتحول‭ ‬نهاية‭ ‬المسار‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬عذبة،‭ ‬ويُعاد‭ ‬رسم‭ ‬الزمن‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬الساعة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬داخلي‭ ‬جديد‭.‬

‭* ‬صحفي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور