الاستثمارات الوهمية.. ضحايا بالجملة!
| عباس العماني
أخي الأكبر كان وجيهًا في قريتنا وموضع ثقة لدى الأهالي، يتقلّد عدة مناصب إدارية في مؤسسات القرية الخيرية والاجتماعية والدينية، كل ذلك قبل العام 2010 حين وجد نفسه بموضع “المديون أدبيًّا” لأكثر من 30 شخصًا من أهله وأصدقائه وبمبالغ يفوق مجموعها الـ240 ألف دينار نتيجة دوره كوسيط في عملية استثمار وهمي هو أوّل ضحاياها حيث أودع قرضًا بمبلغ 15 ألف دينار، لينتهي به المطاف مديونًا للبنك بقرضه ومعزولًا عن المجتمع نتيجة مطالبات تحمّله المسؤولية ونظرات ما زالت تلاحقه إلى اليوم.
لا تخلو ملفات معظم الجمعيات الخيرية في مختلف مناطق البحرين من قضايا لعوائل كانت ميسورة ومساهمة بعطاءات جزيلة في العمل الخيري، أمست تستجدي المساعدات الشهرية نتيجة تورّط معيليها بديون ثقيلة أدّت ببعضهم إلى السجن أو الهجرة أو الأزمات النفسية والاجتماعية.
70 ألف دينار تركة نقدية مجموع ما ورّثه الوالد الذي توفاه الله مؤخرًا، في اجتماعنا الأول أنا ووالدتي وأخواتي الاثنتين وأخي الوحيد لتوزيع التركة، اقترح أخي أن نستثمر المبلغ لمدة أقصاها 4 شهور وبأسمائنا جميعًا في منصة تداول وبضمانة تضاعف المبلغ خلال شهرين، تحفّظت أنا ولكن أخي أقنع الوالدة والأخوات فكانت موافقتي مع الجماعة، واتفقنا أن نخصص جزءًا من الأرباح لعمل خيري باسم الوالد المرحوم، اختفت المنصة مع الورث لنكتشف أننا 5 أشخاص من آلاف المواطنين حديث البحرين ضحايا منصة عُرفت بالـ”البروفيسور”.
راودني الشك بداية إيداعي لمبلغ بسيط “200 دينار” في منصة للتداول، لجأت للذكاء الاصطناعي “شات جي بي تي” وسألته “أود الاستفسار عن منصة تداول تحت مسمّى PCEX هل تعتبر موثوقة؟” فكان الجواب “لم أعثر على معلومات محدّدة حول منصة التداول PCEX في المصادر المتاحة، يُنصح دائمًا بالتحقق من موثوقية أي منصة تداول قبل استخدامها، وذلك من خلال التأكد من حصولها على التراخيص اللازمة من هيئات رقابية معروفة”، رغم الشكوك الشخصية ونصائح بعض المقرّبين والجواب الإلكتروني الناصح اندفعت أكثر وضاعفت المبلغ حماسةً وطمعًا في الربح السريع، لتقفل المنصة ويختفي القائمون عليها الذين كنت أتواصل معهم عبر تطبيق “التليجرام” تاركين آلاف الضحايا وبمبالغ تقدّر بـ4 ملايين دينار بحسب بعض المصادر الصحفية.
هذه القصص الموجعة هي ملخّص لبعض المكالمات التي بادر أصحابها بالتواصل معي تفاعلًا مع مقال الأسبوع الماضي، ليبقى ذلك جزءًا من معاناة الكثير ممن يتملّكه الخجل عن البوح أو الإبلاغ، والعجيب أن الجهات المعنية تصرّح بشحّ وانعدام تقديم البلاغات الرسمية في كثير من الحالات الجماعية، وهذا يحمّلنا جميعًا مسؤولية التناصح الاجتماعي لتعزيز الوعي المجتمعي حول ظاهرة ليست جديدة بل متجددة وبأساليب مختلفة راح ضحيتها آلاف المواطنين، ولا يخلي مسؤولية الجهات المعنية، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني والفعاليات الدينية والاجتماعية، بأن تتحمل مسؤوليتها في توعية الناس وكشف هذه الألاعيب قبل أن يقع فيها البسطاء من جديد.
* كاتب بحريني