حين يصبح العمل “الحقوقي” متاجرة بالدم!

| راشد خليفة البنزايد

في‭ ‬خضم‭ ‬النزاعات‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بعالمنا،‭ ‬يصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ملاذًا‭ ‬أخيرًا‭ ‬للمستضعفين‭. ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتكشف‭ ‬زيف‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تدعي‭ ‬حمل‭ ‬هذا‭ ‬اللواء‭ ‬النبيل،‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تخدم‭ ‬أجندات‭ ‬ضيقة،‭ ‬وتفرز‭ ‬الضحايا‭ ‬بمعيار‭ ‬طائفي‭ ‬أو‭ ‬عرقي‭ ‬مقيت‭.‬

‭ ‬كبشر،‭ ‬قوامنا‭ ‬واحد،‭ ‬وإن‭ ‬تعددت‭ ‬ألواننا‭ ‬ومعتقداتنا،‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصدر‭ ‬غنى‭ ‬وتكامل،‭ ‬يُستغل‭ ‬أحيانًا‭ ‬ليصبح‭ ‬وقودًا‭ ‬للفرقة‭ ‬والتجاهل،‭ ‬فبينما‭ ‬تئن‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الحروب‭ ‬والانتهاكات،‭ ‬يبرز‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬“الحقوقيين”‭ ‬من‭ ‬يصم‭ ‬آذانه‭ ‬عن‭ ‬صرخات‭ ‬ألم‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬طائفته‭ ‬أو‭ ‬عرقه،‭ ‬ويتجاهل‭ ‬فظائع‭ ‬ربما‭ ‬تفوق‭ ‬بشاعتها‭ ‬ما‭ ‬يتباكى‭ ‬عليه‭. ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يرفعون‭ ‬شعارات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يكشفون‭ ‬عن‭ ‬ازدواجية‭ ‬معايير‭ ‬فاضحة،‭ ‬تراهم‭ ‬يتبنون‭ ‬قضايا‭ ‬بعينها‭ ‬بحماس‭ ‬شديد،‭ ‬بينما‭ ‬يصمتون‭ ‬صمت‭ ‬القبور‭ ‬عن‭ ‬مآسٍ‭ ‬إنسانية‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬فظاعة‭ ‬حينما‭ ‬يصبحون‭ ‬كالأعور‭ ‬الدجال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬بعين‭ ‬واحدة،‭ ‬عين‭ ‬تنظر‭ ‬بانحياز‭ ‬لطرف‭ ‬دون‭ ‬آخر،‭ ‬متجاهلين‭ ‬واقعًا‭ ‬مؤلمًا،‭ ‬وينتقون‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬توجهاتهم‭ ‬الضيقة‭.‬

لننظر‭ ‬إلى‭ ‬صمتهم‭ ‬المطبق‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬حيال‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬من‭ ‬فظائع‭. ‬أين‭ ‬كانت‭ ‬أصواتهم‭ ‬“الحقوقية”‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الدماء‭ ‬تُراق‭ ‬أنهارًا،‭ ‬والمدن‭ ‬تُسوى‭ ‬بالأرض؟‭ ‬لقد‭ ‬استيقظوا‭ ‬فجأة،‭ ‬وبدأوا‭ ‬في‭ ‬إبداء‭ ‬اهتمام‭ ‬ملحوظ‭ ‬بعد‭ ‬تغير‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬ليتحول‭ ‬ألم‭ ‬شعب‭ ‬بأكمله‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬إعلامية‭ ‬رخيصة‭ ‬وقضية‭ ‬للمتاجرة‭. ‬والأمثلة‭ ‬تتوالى‭: ‬مأساة‭ ‬الروهينغيا،‭ ‬اضطهاد‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة،‭ ‬كلها‭ ‬جرائم‭ ‬بشعة‭ ‬تمر‭ ‬أمام‭ ‬أعينهم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحرك‭ ‬ساكنًا،‭ ‬لأن‭ ‬الضحايا‭ ‬لا‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬“فريقهم.

إن‭ ‬هذا‭ ‬التعامل‭ ‬الانتقائي‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬يقوّض‭ ‬مصداقية‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬النبيل‭ ‬ويحوله‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للفرقة‭ ‬والتحريض‭. ‬وكما‭ ‬أن‭ ‬ربط‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفتاكة‭ ‬بآيديولوجيات‭ ‬ضيقة‭ ‬هو‭ ‬قمة‭ ‬العبث،‭ ‬فإن‭ ‬حصر‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالضحايا‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬هو‭ ‬قمة‭ ‬الانحياز‭ ‬والتجرد‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭.‬‭ ‬فالألم‭ ‬واحد،‭ ‬والدم‭ ‬واحد،‭ ‬والمعاناة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬دينًا‭ ‬أو‭ ‬مذهبًا‭ ‬أو‭ ‬عرقًا‭.‬

إن‭ ‬صرخات‭ ‬الأمهات‭ ‬الثكالى،‭ ‬وآهات‭ ‬الأطفال‭ ‬اليتامى،‭ ‬ودموع‭ ‬الأبرياء‭ ‬المهجرين،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تهز‭ ‬ضمائرنا‭ ‬جميعًا‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬هوياتهم‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬صوتًا‭ ‬واحدًا‭ ‬مدويًّا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الظلم‭ ‬والانتهاكات،‭ ‬وأن‭ ‬نرفض‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬المقيت‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬عندها‭ ‬فقط،‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نأمل‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المفقودة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تمزقه‭ ‬الصراعات‭ ‬وتشوهه‭ ‬الانحيازات‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني