“تآكل” الآباء!

| د. جاسم المحاري

نظر‭ ‬مدير‭ ‬دار‭ ‬المسنين‭ ‬إلى‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬سأل‭ ‬عن‭ ‬أوراق‭ ‬إيداع‭ ‬والده‭ ‬الدار‭ ‬وقال‭: ‬إنّها‭ ‬أوراق‭ ‬عادية‭ ‬جدًّا،‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ (‬فقط‭) ‬صورة‭ ‬لأبيك‭ ‬البائس‭ ‬وهو‭ ‬يهمّ‭ ‬بأمّك‭ ‬المعلولة‭ ‬عند‭ ‬ولادتك‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى،‭ ‬وصورة‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬عائد‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬وقد‭ ‬أنهكه‭ ‬التعب،‭ ‬وصورة‭ ‬له‭ ‬وهُو‭ ‬يهرول‭ ‬مُسرعًا‭ ‬بمنتصف‭ ‬الليل‭ ‬للمستشفى‭ ‬بعد‭ ‬ارتفاع‭ ‬حرارتك،‭ ‬وصورة‭ ‬عند‭ ‬عودته‭ ‬المنزل‭ ‬وهو‭ ‬جالس‭ ‬بجوارك‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وأنت‭ ‬على‭ ‬سريرك‭ ‬واضعًا‭ ‬الكمّاد‭ ‬على‭ ‬جبهتك،‭ ‬وصورة‭ ‬وهو‭ ‬يتحمّل‭ ‬قهر‭ ‬الدنيا‭ ‬لتأمين‭ ‬الّلقمة‭ ‬الحلال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أنْ‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬قدميك‭ ‬وتكون‭ ‬سندًا‭ ‬له‭ ‬حين‭ ‬يتعب‭ ‬أو‭ ‬يضعف،‭ ‬وصورة‭ ‬له‭ ‬وهو‭ ‬يفكّر‭ ‬كيف‭ ‬يشتري‭ ‬لك‭ ‬ملابس‭ ‬العيد‭ ‬ليرى‭ ‬فرحتك‭ ‬وأنت‭ ‬تحضنها‭ ‬وتنام‭ ‬بها،‭ ‬وصورة‭ ‬لوالدك‭ ‬وهو‭ ‬يمسح‭ ‬دموعه‭ ‬التي‭ ‬اختلطت‭ ‬مع‭ ‬عَرقِه‭ ‬لحظة‭ ‬دخوله‭ ‬المنزل‭ ‬محاولاً‭ ‬إخفاءها‭ ‬عنك،‭ ‬وصورة‭ ‬وهو‭ ‬يستدين‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬رسوم‭ ‬دراستك،‭ ‬وصورة‭ ‬وهو‭ ‬يُحاول‭ ‬أن‭ ‬يجمع‭ ‬المال‭ ‬ليفرح‭ ‬بك‭ ‬زوجًا‭ ‬وتصبح‭ ‬مثله‭ ‬أبًا‭!‬

وهو‭ ‬صنف‭ ‬الشاب‭ ‬عينه‭ ‬ما‭ ‬أكّده‭ ‬مُنظّرو‭ ‬“التآكل”‭ ‬الذي‭ ‬أوقع‭ ‬بالمشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬بين‭ ‬أجيال‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬جرفٍ‭ ‬هارٍ،‭ ‬وقتئذ‭ ‬فضّلت‭ ‬النأي‭ ‬عمّا‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬ربّ‭ ‬الخلائق‭ ‬من‭ ‬محكمات‭ ‬وما‭ ‬سرده‭ ‬سيد‭ ‬الأبرار‭ (‬ص‭) ‬من‭ ‬أقوال‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬الوالدين‭ ‬والبرّ‭ ‬بهما‭ ‬و”الاستوصاء”‭ ‬فيهما‭ ‬والإكرام‭ ‬لهما‭ ‬في‭ ‬حياتهما‭ ‬والتراحم‭ ‬عليهما‭ ‬بعد‭ ‬مماتهما،‭ ‬في‭ ‬أوجب‭ ‬الواجبات‭ ‬وأجلّ‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬بمقدور‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يقدّمها‭ ‬لوالديه‭ ‬بإرسال‭ ‬الدعوات‭ ‬إليهما‭ ‬والترحم‭ ‬عليهما‭ ‬والاستغفار‭ ‬لهما‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬توقيرهما‭ ‬والتشديد‭ ‬لاحترامهما‭ ‬بما‭ ‬يدخل‭ ‬السرور‭ ‬إلى‭ ‬قلبيهما‭ ‬بتفقّد‭ ‬حاجاتهما‭ ‬صغيرها‭ ‬وكبيرها،‭ ‬ومشاورتهما‭ ‬أمورهما‭ ‬في‭ ‬شاردها‭ ‬وواردها‭. 

نافلة‭: ‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬ابتغيت‭ ‬من‭ ‬ربّ‭ ‬العزة‭ ‬والجلالة‭ ‬حصد‭ ‬الثمار‭ ‬اليانعات‭ ‬وزيادة‭ ‬الأجر‭ ‬الوفير،‭ ‬فعليك‭ ‬في‭ ‬طول‭ ‬الصحبة‭ ‬بالحسن‭ ‬وملازمة‭ ‬الطاعة‭ ‬بالقيام‭ ‬ما‭ ‬استطعت‭ ‬إلى‭ ‬أمّك‭ ‬التي‭ ‬أنجبتك‭ ‬وأبيك‭ ‬الذي‭ ‬رعاك،‭ ‬لماذا؟‭ ‬لأنّ‭ ‬برّهما‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬القُرُبات‭ ‬التي‭ ‬ينشرح‭ ‬إليها‭ ‬الصدر‭ ‬وتُفرج‭ ‬عنها‭ ‬الكربة‭ ‬ويُقبل‭ ‬بها‭ ‬الدعاء‭ ‬ويعلو‭ ‬لأجلها‭ ‬الشأن‭ ‬ويطيب‭ ‬منها‭ ‬الذكر،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬أسباب‭ ‬إعانة‭ ‬المعبود‭ ‬لعبده‭ ‬وفلاحه‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬النافع‭ ‬وتوفيقه‭ ‬بالعمل‭ ‬الصالح‭ ‬في‭ ‬دنياه‭ ‬وآخرته،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أكمل‭ ‬الإيمان‭ ‬الذي‭ ‬يُبارك‭ ‬في‭ ‬الرزق‭ ‬ويُسدّد‭ ‬بالتّوفيق‭ ‬ويُكفّر‭ ‬السيّئات‭ ‬ويُضاعف‭ ‬الحسنات‭ ‬حتى‭ ‬نيل‭ ‬الرضا‭ ‬والقبول‭ ‬من‭ ‬العظيم‭ ‬الجليل‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم‭ ‬الذي‭ ‬يُدخلك‭ ‬الجنّة‭ ‬ويُنجيك‭ ‬من‭ ‬النار‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني