صناعة الثروات وصناعة المعرفة
| د. عباس ناصر العمران
تناولتُ في رسالتي للدكتوراه أهمية إدارة صناعة المعرفة في المؤسسات ومستقبلها، واستعرضت فيها المبادئ التي ينبغي من خلالها تضمين العمل المؤسسي. ومن المُسلّم به أن الثروة والمعرفة ركيزتان من الركائز الأساسية التي تُشكل مجتمعاتنا في عصر الذكاء الاصطناعي، ونحن نشهد التقدم الهائل في عالم سريعٍ لا يتوقف، نجزم أن العلاقة بينهما أصبحت أكثر تعقيدًا، وأكثر أهمية في الوقت نفسه، حيث تُعد المعرفة اليوم أحد أهم عوامل إنتاج الثروة، وهذا ما تثبته الأرقام والإحصاءات.
تتجلى صناعة الثروة في القدرة على استغلال الموارد الطبيعية والابتكارات التكنولوجية. والاقتصاد الناجح يعتمد على استثمار الموارد بكفاءة وتطويرها، والاستفادة منها في تسريع الإنجاز، وتعدد أشكاله ومنافعه، ما يؤدي إلى توفير العديد من فرص العمل النوعية وتنتج عن هذا زيادة الدخل وتحسن مستوى الأداء. لا شك أن صناعة المعرفة عملية معقدة تتضمن مجالات التعليم المختلفة، والبحث، والابتكار، ذلك أن المعرفة ليست مجرد معلومات! فنحن في عصر المعلومات، وعلى يقين بأن الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكننا نقول إن المعرفة في عصرنا هذا تعني القدرة على تطبيق تلك المعلومات بطرق جديدة ومبتكرة، وليس مجرد العلم بها، والتحدي يكمن في كيفية استخدام هذه المعرفة لتوليد قيمة اقتصادية واجتماعية، وكيفية مواجهة التحديات، وتجاوز الصعوبات، وتحديد نقاط القوة، والعمل على استثمارها.
بات التداخل بين صناعة الثروة وصناعة المعرفة يتزايد دون ريب، فالمعرفة تعزّز الابتكار، ما يؤدي إلى إنتاج سلع وخدمات جديدة، لذا فإن الشركات التي تستثمر في البحث والتطوير غالبًا ما تحقق نجاحًا أكبر من تلك التي تركز فقط على الإنتاج التقليدي. (
وعلى سبيل المثال: شركات التكنولوجيا مثل “أبل” و”جوجل” لم تحقق ثروات طائلة فحسب، بل ساهمت أيضًا في تغيير كيفية عيش الناس وطريقة عملهم.
لكن من المهم أن نذكر هنا أنه مع التقدم التكنولوجي السريع، تظهر تحديات جديدة، مثل الفجوة الرقمية وضرورة التعليم المستمر، ومن هنا فإن المجتمعات تحتاج إلى استراتيجيات فعّالة لتعزيز الوصول إلى المعرفة، خصوصًا في البلدان النامية، فمن الضروري أن تكون هناك استثمارات في التعليم والتدريب لضمان تمكين الأجيال القادمة من الاستفادة من الفرص المتاحة.
في الختام، تُعد صناعة الثروة وصناعة المعرفة وجهين لعملة واحدة، فبناء مستقبل مستدام يتطلب تكاملًا بينهما، حيث تسهم المعرفة في خلق الثروة، وتُستخدم الثروة لتعزيز المعرفة، والتكامل بين هذين العنصرين يحقق التوازن، والواجب على الدول والمجتمعات أن تتبنى استراتيجيات شاملة تدعم الابتكار والاستدامة لخدمة البشرية ونفعها.
كاتب بحريني