الاستثمارات الوهمية.. مقامرات على الموضة!

| عباس العماني

أتذكر‭ ‬جيدا‭ ‬حينما‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬السادس‭ ‬الابتدائي،‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬العام‭ ‬1999‭ ‬تحديدا،‭ ‬اجتمع‭ ‬والدي‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬أصدقائه‭ ‬حديثي‭ ‬العهد‭ ‬بالتقاعد‭ ‬في‭ ‬مجلسنا‭ ‬لإطلاعه‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬وصفوه‭ ‬بالـ‭ ‬“الشرعي”،‭ ‬مسكوكة‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬عملة‭ ‬معدنية‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬وزنها‭ ‬20‭ ‬جراما‭ ‬بما‭ ‬قيمته‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬60‭ ‬دينارا‭ ‬حينها،‭ ‬يتم‭ ‬ترويجها‭ ‬عبر‭ ‬نظام‭ ‬“التسويق‭ ‬الشبكي”‭ ‬بسعر‭ ‬1000‭ ‬دولار‭ (‬375‭ ‬دينارا‭ ‬بحرينيا‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يلزم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مشترك‭ ‬ترويجها‭ ‬على‭ ‬أهله‭ ‬وأصدقائه‭ ‬بصورة‭ ‬“هرمية”‭ ‬لقاء‭ ‬أرباح‭ ‬مالية‭ ‬مغرية،‭ ‬وكان‭ ‬الأمر‭ ‬مشوقا‭ ‬وبأساليب‭ ‬مقنعة‭. ‬وبعد‭ ‬عدة‭ ‬شهور‭ ‬اجتمع‭ ‬الأصدقاء‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وكان‭ ‬معظمهم‭ ‬خصص‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حقوقه‭ ‬التقاعدية‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬“الذهب”‭ ‬لإيجاد‭ ‬مخرج‭ ‬ربما‭ ‬يرجع‭ ‬لهم‭ ‬بعض‭ ‬أموالهم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اكتشفوا‭ ‬أنهم‭ ‬ورطوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬سراب‭.‬

بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬الترويجية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2003،‭ ‬جاء‭ ‬بعض‭ ‬أصدقاء‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬الكويت‭ ‬يسوقون‭ ‬لقلادة‭ ‬يتدلى‭ ‬منها‭ ‬حجر‭ ‬كريم‭ ‬يحتوي‭ ‬في‭ ‬منتصفه‭ ‬على‭ ‬“ماء‭ ‬زمزم”،‭ ‬له‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬الإيجابي‭ ‬على‭ ‬نفسية‭ ‬حامله‭ ‬ويعطيه‭ ‬طاقة‭ ‬إيجابية‭ ‬وقوة،‭ ‬قيمة‭ ‬اقتنائه‭ ‬1000‭ ‬دينار‭ ‬ترجع‭ ‬كاملة‭ ‬حينما‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬ترويجها‭ ‬على‭ ‬10‭ ‬ضحايا‭ ‬آخرين‭ ‬والأرباح‭ ‬تأتي‭ ‬بعدها،‭ ‬الشركة‭ ‬صاحبة‭ ‬الفكرة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬إصدارات‭ ‬أخرى‭ ‬بأحجار‭ ‬كريمة‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬ماء‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المغطس‭ ‬المقدس‭ (‬نهر‭ ‬الأردن‭) ‬الذي‭ ‬تعمد‭ ‬فيه‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭ (‬حسب‭ ‬المعتقدات‭ ‬المسيحية‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬حجر‭ ‬كريم‭ ‬آخر‭ ‬ممزوج‭ ‬بماء‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬كالي‭ ‬بين‭ ‬المقدس‭ ‬لدى‭ ‬طائفة‭ ‬الهنود‭ ‬السيخ‭ ‬وهناك‭ ‬عدة‭ ‬إصدارات‭ ‬أخرى،‭ ‬ليكتشف‭ ‬الجميع‭ ‬لاحقا‭ ‬أنها‭ ‬خدعة‭ ‬جذبت‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬والمتدينين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الملل،‭ ‬كلٌ‭ ‬وهواه،‭ ‬للترويج‭ ‬للشركة‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬توارى‭ ‬أصحابها‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭.‬

في‭ ‬العامين‭ ‬2009‭ ‬‏‏‏و2010‭ ‬كان‭ ‬حديث‭ ‬البحرين‭ ‬هم‭ ‬ضحايا‭ ‬“الاستثمارات‭ ‬العقارية”‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬شركات‭ ‬افتتحت‭ ‬لها‭ ‬مكاتب‭ ‬واستلمت‭ ‬أموال‭ ‬الناس‭ ‬مقابل‭ ‬إصدار‭ ‬شيكات‭ ‬بأرباح‭ ‬مجزية،‭ ‬بطلها‭ ‬كان‭ ‬مستثمر‭ ‬تبين‭ ‬لاحقا‭ ‬أنه‭ ‬“متخلف‭ ‬عقليا”‭ ‬أقنع‭ ‬عملاءه‭ ‬وجمع‭ ‬منهم‭ ‬لوحده‭ ‬ما‭ ‬فاق‭ ‬الـ‭ ‬21‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭! ‬لتذهب‭ ‬ثمرة‭ ‬“كفاح”‭ ‬آلاف‭ ‬الناس‭ ‬وحقوق‭ ‬تقاعدهم‭ ‬وقروض‭ ‬من‭ ‬تحمس‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬“كوارتين‭ ‬موز”‭ ‬الغفلة‭. ‬المضحك‭ ‬المبكي‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬ووجهاء‭ ‬المجتمع‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضحايا‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لقاء‭ ‬تزكية‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬ترويج‭ ‬بعمولة‭ ‬هناك،‭ ‬فقد‭ ‬البعض‭ ‬منهم‭ ‬مكانته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وهاجر‭ ‬البعض‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬تهدأ‭ ‬الأمور‭.‬

بعدها‭ ‬بفترة‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2013‭ ‬بدأت‭ ‬تنتشر‭ ‬فكرة‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وانجرف‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الزوار‭ ‬البسطاء‭ ‬بفكرة‭ ‬إيداع‭ ‬مدخراتهم‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬الإيرانية‭ ‬بفائدة‭ ‬تفوق‭ ‬20‭ % ‬مع‭ ‬ماكنة‭ ‬ترويج‭ ‬مضللة‭ ‬لتنجرف‭ ‬أحلامهم‭ ‬مع‭ ‬انهيارات‭ ‬“التومان”‭ ‬المتعددة‭ ‬وبلا‭ ‬نهاية،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الأمل‭ ‬بتمكينهم‭ ‬من‭ ‬صرف‭ ‬“أرباح‭ ‬ودائعهم”‭ ‬بصورة‭ ‬حصرية‭ ‬داخل‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬لضمان‭ ‬إنعاش‭ ‬السياحة‭ ‬الدينية‭ ‬هناك‭ ‬وليتفقد‭ ‬المودعون‭ ‬ودائعهم‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬قيمتها‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬10‭ %‬،‭ ‬وراح‭ ‬ضحية‭ ‬ذلك‭ ‬آلاف‭ ‬الناس‭ ‬بعشرات‭ ‬وربما‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬عملاتهم‭ ‬الصعبة‭ ‬حسب‭ ‬وصف‭ ‬البنوك‭ ‬هناك،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬التومان‭ ‬المتهالك‭ ‬وتودع‭ ‬به‭.‬

آخر‭ ‬صرعات‭ ‬الاحتيال‭ ‬كانت‭ ‬حديث‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية،‭ ‬منصة‭ ‬تداول‭ ‬إلكترونية‭ ‬اشتهرت‭ ‬بـ‭ ‬“البروفيسور”‭ ‬تحمس‭ ‬لتضليلها‭ ‬آلاف‭ ‬المواطنين‭ ‬وتمكن‭ ‬القائمون‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬ما‭ ‬يفوق‭ ‬الـ‭ ‬4‭ ‬ملايين‭ ‬دينار‭ ‬بحسب‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬الصحفية،‭ ‬لتقفل‭ ‬المنصة‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬بلا‭ ‬أثر‭ ‬للجناة‭.‬

كل‭ ‬تلك‭ ‬الأمثلة‭ ‬“غَيضٌ‭ ‬من‭ ‬فَيض”‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الاحتيال‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬خجل‭ ‬الضحايا‭ ‬عن‭ ‬البوح‭ ‬أو‭ ‬الإبلاغ،‭ ‬ليبقى‭ ‬صوت‭ ‬العقلاء‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬التي‭ ‬تزين‭ ‬للنفس‭ ‬طريق‭ ‬الثراء‭ ‬السريع‭ ‬وتعميها‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬درجت‭ ‬على‭ ‬الأسماع‭ ‬بأن‭ ‬“القانون‭ ‬لا‭ ‬يحمي‭ ‬المغفلين”‭.‬

ويبقى‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬والإعلام،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والفعاليات‭ ‬الدينية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بأن‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬الناس‭ ‬وكشف‭ ‬هذه‭ ‬الألاعيب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬فيها‭ ‬البسطاء‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬