حصار الثرثرة والادعاء!

| كمال الذيب

انتشرت في السنوات القليلة الماضية، ومع اتساع نطاق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ما يمكن أن نطلق عليها “ثقافة الثرثرة والادعاء”، فامتلأ الفضاء بالأدعياء والمثرثرين والمتفلسفين. يتحدثون أحيانًا كعلماء ومفكرين ومحللين ومعلقين، وأحيانًا لا يجدون أية مشكلة في أن يقدموا أنفسهم كتافهين.. بعضهم اكتسب رتبة مؤثر، وهي تدر عليه فوائد لا تقدّر بثمن! حالات ونماذج كثيرة لا يتسع المقام لسردها، لكثرتها، تستفزنا يوميًّا، بالادعاء يصر أصحابها على إيهامنا بأنهم يعلمون ما لا نعلم، ويعرفون ما لا نعرف، ويدركون ما لا ندرك، ويستنتجون ما لا نستنتج. يوجهوننا وينصحوننا ويحذروننا.. يرغبوننا في أمور وينفروننا من أخرى، يتحدثون في كل شيء كلامًا فارغًا يغرقوننا به. وعندما نحاول إقناعهم بالتلميح وبالأدب وبالإشارة بأنهم جهلة في هذا الميدان أو ذاك، وأنهم لا يمكن أن يحيطوا بكل شيء علمًا، يزدادون صلفًا وغضبًا. أمام طوفان الثرثرة تصاب بالغثيان، يؤلمك الادعاء، تستمع إليهم، فيجتاحك طوفان الحكمة المزيفة. يتكلمون، يثرثرون، يغنون، كل من هب ودب يعلمنا، يتطاول علينا، يتحدثون في كل شيء في السياسة والاقتصاد والأعراس والعنوسة والأعشاب والتلوث وأنواع الملابس والحلي والسيارات، وانخفاض أسعار النفط، وكيف نسيطر على الوقت في خمسة أيام، وكيف نكتب رواية في ثماني ساعات، وكيف نتزوج ونطلق في ذات اليوم.. كلام في كلام، يغرقون فيه المجتمع، يستهلكون وقته وطاقته في متابعتهم ليلًا نهارًا. فما أحوجنا إلى المتعففين عن الثرثرة والادعاء، حتى نتحرّر من هذا الاختلال في سلوكنا الاجتماعي - الاتصالي.

همس  قال الجندي لقائده: صديقي سقط في ساحة المعركة أطلب الإذن للبحث عنه.. قال القائد: لا تخاطر بحياتك لأجل رجل يُحتمل أنه قد قتل! ذهب الجندي من دون أن يعطي أهمية لتحفظ قائده، وبعد قليل عاد وهو مصاب بجرح، حاملًا جثة صديقه. قال القائد: أكان يستحق منك هذه المخاطرة للعثور على جثة؟! قال الجندي: بكل تأكيد يا سيدي. فعندما وجدته كان لا يزال حيًّا واستطاع أن يقول لي: كنت واثقًا بأنك ستأتي. الصديق من يأتيك عندما يتخلى عنك الجميع.

 

كاتب وإعلامي بحريني