قرابين على مسلخ السياسة
| سيد ضياء الموسوي
من شرفة التاريخ، يطل ميكافيللي ليهمس في أذن الإيراني: أيها الأمير: “مصلحتك قبل حلفائك”، أوقف رصاصة العدم والعدمية والإعدام. إيران أهم من لبنان، إيران أهم من العراق واليمن وسوريا، وكل زعيم من الأحزاب وإمام. نعم، تقاتلون، لكن بآخر عربي. ويضيف الأمير ميكافيللي معززًا قناعة “القديسين”: في إيران البيوت أهم من بيروت. الكافيار في منطقة “جيلان” أهم من كل أهالي لبنان، والسجاد الإيراني أهم من أي مواطن لبناني، وتوقيف حرق علبة قديمة بطهران كأضحية، أهم من كل “الضاحية”، واصفهان أغلى من صنعاء، وذرّة رماد على حائط جدار قديم في تبريز، أهم من كل سورية أو “طرطوس”، ولو صارت بالدم “تطريز”. مدنٌ سقطت كشظايا زجاج نافذة قديمة دون حساب، وأصبحت دماء الأطفال والنساء والرجال مجرد أدوات تفاوض خلف الأبواب المغلقة والكؤوس المعتقة. الفقراء يُضحّى بهم في مطبخ السياسة، والساسة الأغنياء يتوزعون كؤوس خمرة حمراء من نبيذ ودم. هكذا هي قصة التاريخ ومكر التاريخ. والسؤال: هل نعي الدرس؟ هل نفهم أن الأرقام على الأرض لا تنكسر أمام عدد أرقام الخطابات الرنانة؟ هل نفهم أن طائرة F35 لا يُسقطها دعاء في ليلة حزن، وأن الله جعل تغيّر الأحوال بالأسباب لا بالأمنيات، و “أن لا يرد القضاء إلا الدعاء” محكوم بقوانين كونية وأسباب واقعية؟ هل نفهم أن أمن ومصلحة أوطاننا ومستقبل أهلينا - رغم قدسية فلسطين - أهم من فلسطين، وأن حفظ الجماعة أهم عند الله من الانتحار الجماعي؟ وأن “حشيش الانتصار” لا يلغي ألم الواقع المُر والانكسار؟ متى نفهم أن هؤلاء الفقراء تعبوا من المقامرة بهم وبأطفالهم في كازينوهات السياسة، وملّوا من الاستخفاف بعقولهم، وتقرّحت كرامتهم من سياط التهزيء بهم، واستصغارهم، والتشكيك في دينهم من سياط يجلدهم بها الخطباء وهم لم يبخلوا عليهم بشيء، واستُغفلوا حتى وهبوا أغلى ما عندهم: فلذات أكباد، وأخماس مال، وملايين صدقات، وتكدّس جلوس بهدر أوقات، وهم يسمعون محاضراتكم الممتلئة بأكياس ذم لهم، وتشكيك بنسائهم العفيفات. بخطاب مهووس بالمرأة كرمز للخطيئة، وبتوزيع أجهزة خوف، محشورين في زوايا الاتهام والتقصير، والتخويف بجحيم جهنم الذي ينتظرهم.. وهم مساكين قاصرون عن لقمة عيش لأطفالهم، وفوق ذلك، تُقذفون بهم في نار سياسية حامية، ومحرقة وراء محرقة، ثم تصرخون في وجوههم لو سألوا سؤالًا عن دينهم أو أبدوا نقدًا بسيطًا على خطابكم، وأنتم تتسترون وتختبئون خلف هالة القداسة في بقع النجاسة من السياسة حيث لا كياسة! ماذا تبقّى لهؤلاء وهم في صدمة جماعية، وفي حالة إنكار قاتل، قادتهم لاكتئاب جماعي وشيزوفرينيا انفصام واقعٍ بعد الانهيارات وتراكم الخيبات؟ ارحموهم! هؤلاء الشباب الضائعون في المدن الحالمة، يبحثون عن كسرة خبز بين ركام الوجع، عن مستقبل لأطفالهم لا يسير هذا المستقبل المهلهل على مزرعة سكاكين القدر، وعن بيوت تحتضنهم، السكينة فيها، فيغطّون في نوم عميق من وجع تاريخي متشظٍّ من الانتظار، والانكسار، ومسارات أحلام كلما اقتربت من التحقق، ذهبت مع الريح في منعطف خطير أو قرار يقود للنوم على حصير. أنا لا أرفض الحلم، حلم السعادة لدمعة تهطل ليلًا تبحث عن كف بيضاء، لا أرفض الحلم، بل أرفض غباء تحقيقه. لا أخاصم الدين، بل أخاصم تحويله إلى حانوت سياسي. أوقفوا المهزلة، وأنقذوا البقية الباقية من مستقبل أطفالكم كي لا تتحول أرواحهم إلى شهادات وفاة تفاوضية للقديس مع الشيطان. السياسة أن تحفظ الجماهير من السقوط في المحارق كي لا يصعد سياسي هاوٍ على منصة التاريخ. في السياسة، ليس شرطًا أن يكون عدوك شيطانًا، ولا أن يكون حليفك ملاكًا. في السياسة، العدو ذكي، والمتحالف أذكى، والخاسر من رقص فوق السكين، وظنّ أن أغنيته ستوقظ الموتى. أخرج التأمين المستقبلي من جُبة رجل الدين السياسي، وحرّر مستقبل أطفالك، فـ “وساطته” تحوّلت إلى سلطة، وتحوّلت “قرابينه” إلى سجن، نوافذه مرقّمة، يدير مفاتيحها رجال كهنة يشبهون الموتى أكثر من الأحياء، ولا تعرف عيونهم السماء، سوى قلة من رجال دين شرفاء أوفياء، يخشون هم أنفسهم من كهنة زعماء آمون. الدين عظيم، ولكن تكمن الخطيئة في معظم التفاسير للدين، التي تنضح بالاجتهاد البشري القاتل. قال فولتير: “من يملك قدرة إقناعك بعبثٍ مقدس، يمكنه إقناعك بقتل بريء.” فمعرفة الله عز وجل لا تكون بالخوف وبلادة الرؤية، وارتجاف النساء. ويجب أن تعلم أن الله لا يحتاج إلى وسطاء يرتدون جلباب الفزع. يقول المفكر السوري أدونيس: “ما أكثر الأشياء التي حُرّمت علينا باسمك يا الله، وما أقلّ ما عرفناك.” أنا هنا، أجلس على شرفة التاريخ، أمسح جبيني وأكتب قصائدي، وأعانق البحر بعينٍ ملؤها الأمل أن يستيقظ الناس من الغيبوبة السياسية، ويفهموا أن أرواحهم أهم من الدنيا وما فيها. حافظوا على أمن وطنكم، على الإنجازات. يقول الرسول: “من أصبحَ معافًى في بدنِه، آمنًا في سِربِه، عنده قوتُ يومِه، فكأنَّما حيزت له الدنيا بحذافيرها”. كل ذلك أقوله من شرفة التاريخ، كي لا تتحولوا قرابين على مسلخ السياسة.