سلاح حزب الله وإرادة اللبنانيين
| أحمد جعفر
الأسبوع الماضي، عادت واشنطن إلى العمل الدبلوماسي المكثف في لبنان من خلال زيارة نائبة المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، والتي عقدت سلسلة من الاجتماعات المنفردة مع مسؤولي بلد يعيش مزيجًا من الأزمات السياسية والاقتصادية. رحلة أورتاغوس، وهي مسؤولة بوزارة الخارجية سبق لها العمل في إدارة ترامب السابقة، تحمل أبعادًا تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية، لتصل بوضوح إلى عمق الأزمة التي يعيشها لبنان بعد الحرب الطاحنة بين إسرائيل وحزب الله، حيث كان نزع سلاح الجماعة الموالية لإيران من أبرز الملفات التي حملتها المبعوثة الأميركية إلى الرؤساء اللبنانيين الثلاثة. تسعى واشنطن، في هذا الإطار، إلى تقويض الجماعة الوحيدة التي احتفظت بسلاحها بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، مستفيدةً من التحولات الجوهرية التي طرأت على وضع حزب الله عقب المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، وهي حرب دمّرت معظم قدراته العسكرية وأودت بحياة عدد كبير من قياداته الأمنية والسياسية وقضت على خزائنه المالية ومصادر تمويله. ورغم أن الحزب الشيعي لا يزال يحتفظ بشعبيته داخل بيئته الحاضنة، إلا أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة أضعفت قدرته على المناورة، وأجبرته على فصل الساحات، والموافقة على وقف إطلاق النار الذي بدأه بنفسه، كما دفعته إلى تقديم تنازلات لم تكن واردة قبل سنوات، حتى لو لم يعترف مسؤولوه بذلك. خلال العقدين الماضيين، لعب حزب الله – الذي تصنّفه الولايات المتحدة على لوائح الإرهاب منذ عام 1997 – دورًا محوريًّا في الحياة السياسية اللبنانية، بعد أن شكّل تحالفًا شيعيًّا مسيحيًّا عام 2006 مع “التيار الوطني الحر” في “تفاهم مار مخايل” الشهير، ما مكّنه من الإمساك شيئًا فشيئًا بمفاصل الدولة. لكن هذا التحالف لم يسهم إلا في تعميق الانقسامات الداخلية وتفكيك مؤسسات الدولة التي نخَرت فيها التجاوزات من جانب آخر، حتى دخل لبنان نفقًا مظلمًا، لم يكن أوله الانهيار الاقتصادي الشامل عام 2019، إلى أن جاءت الحرب الأخيرة لتجهز على البلاد الممزقة أساسًا، وتدمّر ما تبقى من التنمية والبنية المؤسسية. اليوم، تعود الولايات المتحدة إلى لبنان بعد أن تغيّرت قواعد اللعبة، فالواقع الجديد لحزب الله جعله هشًّا أكثر من أي وقت مضى، لاسيما بعد أن خسر أيضًا سوريا كممر استراتيجي حيوي يتزود منه بالمال والسلاح الإيراني عقب سقوط نظام الأسد. هذا الوضع الجديد أجبر الحزب على تقديم تنازلات غير مسبوقة، بدءًا من القبول بتشكيل حكومة لا يملك فيها “فيتو معطِّل”، وصولًا إلى انتخاب رئيس للجمهورية خارج دائرة حلفائه، بعيدًا عن ما يوصف بـ “الاستئثار السياسي” الذي رسم ملامح علاقته ببعض القوى المسيحية، علاوة على إبداء المرونة في مناقشة مستقبل السلاح، وهي قضية كان يرفض الحزب مناقشتها سابقا. وبجانب تحركات الإدارة الأميركية لفك ارتباط الحزب عن لبنان سياسيًّا، تبقى مسألة نزع سلاحه شرطًا أساسيًّا لاستعادة السيادة اللبنانية، وفتح الباب أمام المانحين الدوليين لإعادة إعمار الدولة ودعم الجيش كجهة وحيدة مسلحة، ثم البدء في عملية سياسية لترسيم الحدود البرية مع إسرائيل. وبعد زيارة المبعوثة الأميركية، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول رفيع في حزب الله - لم تكشف عن هويته - قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها شريطة انسحاب إسرائيل من جنوب البلاد وعدم استهداف الدولة مرة أخرى، ما يؤكد جليا أن الحزب بدأ يفكر بإعادة حساباته للبقاء في المشهد السياسي الداخلي على أقل تقدير. وبصرف النظر عن مدى نجاح الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، يبقى الرهان الحقيقي على عاتق اللبنانيين أنفسهم، وهم الذين يجب أن يتعلموا من تجربتهم القاسية ويستفيدوا من الدروس لكتابة فصل جديد في تاريخ بلدهم، فالأوطان لا تُبنى على ظهر أجندات خارجية مهما كانت؛ بل بإرادة داخلية صادقة تعيد إلى الدولة هويتها المستقلة ومؤسساتها القوية القادرة على النهوض من تحت الركام.
كاتب بحريني