من يتخلف عن الصورة يبقى خارج الإطار!

| كمال الذيب

 يقول الباحث الفرنسي (إنياسيو راموني) “إن الدعاية تبيع لنا كل شيء من دون تمييز، وكأن المجتمع الاستهلاكي مجتمع من دون طبقات، وكأنما الجميع قادرون على اقتناء كل شيء كما يبدو في الصورة المنقولة عبر الدعاية، ومن يتخلف عن اقتناء الصورة يظل خارج الإطار، فهو مهمش”. وأكبر ضحايا هذه الدعاية هو “البورجوازي الصغير جدًّا” الذي يعيش تحت ضغط الآلة الاجتماعية الطاحنة وتآكل ما بقي من مقومات الحياة الكريمة، وتقلصها يومًا بعد يوم، ونتيجة لذلك يشعر بنوع من تذبذب مواقفه وقلة حيلته وعجزه المزمن عن مواجهة التحولات الداهمة، فهو جزء من شريحة زئبقية تكاد تكون بلا هوية، معلقة بين الأرض والسماء، يدفعه واقعه الضاغط نحو الانحدار إلى صفوف الطبقات الفقيرة، وتدفعه تطلعاته إلى التكفف الفاضح والوقوف عند أبواب الاستجداء ومد اليد، وإراقة ماء الوجه بما لا يليق بالحرّ أن يُقدم عليه. ونظرًا لصغر حجم موقعه مقابل تطلعاته وأحلامه، فإنه لا يزال يحلم بسيارة صغيرة، وبيت صغير، وزوجة صغيرة وطفل صغير ووظيفة صغيرة، وإجازة صغيرة.. تتقطع أنفاسه وراء الراتب الصغير، فلا يلحق به رغم اللهاث اليومي في ظل الوضع الصعب. هذا الكائن غالبًا ما يجد نفسه ضحية الانفصام في مواقفه المتناقضة، وآيديولوجيته المتذبذبة، وغالبًا ما يشعر بأنه من نسيج غير متجانس في الفكر، والموقف؛ فمرة يتماهى مع الشعائر والشعارات، ومرة يعمد إلى الاقتباس من المقولات التي يجدها معبرة عن أعمق ما في نفسه. خليط من العقائد والمصالح والرؤى تتشابك في نسيج متناقض ومرهق.  إن مثل هذه الصورة – بالرغم مما فيها من حدة وطابع كاريكاتيري مقصود - تختزل بشكل أو بآخر مأساة شريحة كبيرة نسبيًّا تعاني من توزّع الأشواق بين واقع مرير يشدها إلى القاع، وتطلع من دون سقف إلى الالتحاق بالطبقات الأعلى من دون جدوى، وطموحات تسقطها الإحباطات، لذلك ينشط بعض أفراد هذه الشريحة في مجالات تعويضية للتنفيس عن الكرب أحيانًا وللتماهي أحيانًا أخرى بصورة نقيضة. ولذلك تقول بعض الإحصائيات إن أفراد هذه الشريحة هم أكثر المقدمين على الانتحار بسبب استحالة تحقيق أحلامهم!.

كاتب وإعلامي بحريني