طفح الكيل عند أهل غزة
| د. شمسان المناعي
لم يصدق أهل غزة أن تتوقف الحرب المدمرة وترجع الحياة إلى طبيعتها، حتى عادت مرة أخرى بقوة وخطورة أكبر مما كانت عليه، وأصبحوا هم وقودها وخشبها بالفعل، هذه الحرب التي دمرت منازلهم وقتلت آلافا منهم، حيث بلغت الأعداد أكثر من خمسين ألف قتيل، أكثرهم من الأطفال والنساء وكبار السن الذين لا حول لهم ولا قوة، وهم الذين يدفعون ليس ثمن الحرب على غزة، وإنما يدفعون فواتير حروب أخرى تحدث خارج غزة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فهم ضحايا لما يجري من حرب بين إسرائيل وإيران، وحرب إسرائيل مع الحوثيين، ومنهم يستمد الموالون لإيران ممن يسمون أنفسهم محور المقاومة قوتهم، وأصبحوا هم في المواجهة الحقيقية، فلا مساكن تؤويهم ولا خبز يكفيهم ولا أدوية لمرضاهم ولا تعليم لأبنائهم، والأشد تأثرا بهذه الحرب هم المدنيون من الأطفال والمواليد الذين ينقلون في الحضانات من مستشفى إلى آخر، والنساء وكبار السن، حيث أصبحت كل هذه الفئات من أهالي غزة تعيش خارج التاريخ الإنساني، ولم تحدث مثل هذه المجازر لهم حتى في الحرب العالمية الثانية. أهالي غزة بهذا الواقع المرير وضعوا المبادئ والقوانين الدولية التي أجمعت عليها كل دول العالم والدول المتقدمة خصوصا أمام موقف يحرج حضارتهم المعاصرة التي تتشدق بها، مثل مبادئ حقوق الإنسان والعدالة والحرية والمساواة وكرامة الإنسان، فسقطت كل هذه المبادئ والقيم التي تدعيها الحضارة الغربية المعاصرة. وأصبح أهالي غزة يعرضون على بقية الدول لتهجيرهم، مرة للبرازيل ومرة إلى إسبانيا، أو إقامة دولة لهم في سيناء وكأنهم سلع معروضة للبيع، إنها حقا تجارة البشر، وحتى داخل غزة مرة يتم تهجيرهم إلى شمالها أو إلى الجنوب أو إلى الضفة الغربية، ويظلون في دوامة داخل غزة يتنقلون بخيامهم وكأنهم ليسوا في وطنهم. (المقال كاملا في الموقع الإلكتروني).
وأخيرا خرج سكان غزة عن صمتهم ورفعوا أصواتهم بالآلاف “بدنا نعيش” ضد “حماس” بعد ممارسات مسلحي الحركة خلال وقف إطلاق النار التي قادت إلى تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث إن حركة حماس التي حكمت القطاع منذ 2006 لم تصلح الوضع المعيشي لأهل غزة، وإنما زادت تفاقم الوضع المعيشي و “حماس” تعلم، حسب سكان في القطاع، أن هذه الصواريخ لا تجدي نفعا سوى أن الجيش الإسرائيلي يجد المبرر لضرب المناطق مجددا والدخول بريا وإصدار أوامر إخلاء جديدة، وهكذا يجد أهل غزة أنفسهم في دوامة لا تنتهي ومآسٍ في كل يوم.
كاتب وأكاديمي بحريني