زلزال عنيف

| علي البستكي

‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬نحذّر،‭ ‬وكما‭ ‬كتبنا‭ ‬مرارًا‭ ‬في‭ ‬“البلاد”،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬واضح‭ ‬وصريح‭ ‬بدأ‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬وشهر‭ ‬فبراير‭ ‬وأخيرًا‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ ‬2025‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬

‭ ‬“فقاعات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وجلطات‭ ‬متكررة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬وانهيارات‭ ‬قادمة”‭.‬

كنا‭ ‬نصرخ‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬صمت‭ ‬الأسواق‭ ‬وصنّاع‭ ‬القرار،‭ ‬نرسم‭ ‬مؤشرات‭ ‬الخطر‭ ‬ونُسمي‭ ‬الفقاعات‭ ‬بأسمائها،‭ ‬ونحظر‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التوازن‭ . ‬لكن‭ ‬اليوم،‭ ‬بعد‭ ‬حدوث‭ ‬الزلزال‭ ‬المدمر،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬إنكار‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬أمامنا‭.‬

انهيارات‭ ‬عنيفة،‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة،‭ ‬ذعر‭ ‬يلفّ‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬آسيا،‭ ‬وول‭ ‬ستريت،‭ ‬حتى‭ ‬بورصات‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الأنهيار،‭ ‬المؤشرات‭ ‬تهوي‭ ‬الداو‭ ‬جونز‭ ‬يفقد‭ ‬آلاف‭ ‬النقاط‭ ‬في‭ ‬ساعات‭.‬

العملات‭ ‬تتقلب‭ ‬بجنون‭ ‬والرأسمال‭ ‬يفرّ‭ ‬إلى‭ ‬الملاذات،‭ ‬أو‭ ‬يتبخر‭ ‬في‭ ‬الهواء

هل‭ ‬كانت‭ ‬التعرفة‭ ‬الجمركية‭ ‬السبب؟

جزئيًّا،‭ ‬نعم،‭ ‬التصعيد‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اختناق‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وخلق‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬يقين‭ ‬عالمي‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬مجرد‭ ‬الشرارة‭.‬

الوقود‭ ‬الحقيقي‭ ‬للزلزال‭ ‬كان‭ ‬شيئًا‭ ‬أعمق‭: ‬الفقاعة‭ ‬والقمم‭ ‬التاريخية‭ ‬فقاعة‭ ‬ضخّمتها‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬المتساهلة،‭ ‬التيسير‭ ‬الكمي،‭ ‬والفوائد‭ ‬المنخفضة‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬التي‭ ‬غذّت‭ ‬أسواق‭ ‬الأصول‭ ‬بأموال‭ ‬رخيصة‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬حقيقي‭.‬

فقاعات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم‭ - ‬فقاعات‭ ‬في‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ -  ‬فقاعات‭ ‬قي‭ ‬ديون‭ ‬سيادية‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬كان‭ ‬ينمو‭ ‬بسرعة،‭ ‬لكن‭ ‬بلا‭ ‬جذور‭.‬

السبب‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬التوازن

اقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬مهووس‭ ‬بالنمو‭ ‬السريع،‭ ‬يُسكن‭ ‬الألم‭ ‬بسياسات‭ ‬مؤقتة،‭ ‬ويؤجل‭ ‬التصحيح‭ ‬الطبيعيK‭ ‬كلما‭ ‬ظهرت‭ ‬مشكلة،‭ ‬تم‭ ‬“ترقيعها”‭ ‬بسيولة‭ ‬جديدة،‭ ‬لا‭ ‬بإصلاح‭ ‬جذري‭.

وهكذا،‭ ‬تراكمت‭ ‬المخاطر‭ ‬مثل‭ ‬الكولسترول‭ ‬في‭ ‬الشرايين‭... ‬حتى‭ ‬وقعت‭ ‬الجلطة

ما‭ ‬بعد‭ ‬الانفجار؟‭ ‬الضرر‭ ‬وقع،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬المستعد‭ ‬لمرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانهيار؟،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬أدوات‭ ‬إعادة‭ ‬البناء؟‭ ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬رغبة‭ ‬حقيقية‭ ‬لتغيير‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحالي،‭ ‬أم‭ ‬سنعود‭ ‬لنفخ‭ ‬فقاعة‭ ‬جديدة؟

في‭ ‬النهاية،‭ ‬نحن‭ ‬لم‭ ‬نتنبأ‭... ‬نحن‭ ‬فقط‭ ‬قرأنا‭ ‬المؤشرات،‭ ‬وقلنا‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يسمعوا‭... ‬والآن،‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يعيدوا‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬استثماراتهم،‭ ‬بالضبط،‭ ‬وهذه‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬الأسواق‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

كل‭ ‬هبوط‭ ‬قوي‭ ‬تتبعه‭ ‬عادة‭ ‬ارتفاعات‭ ‬قوية،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الأسواق‭ ‬“طيبة”،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬بطبيعتها‭ ‬تبحث‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬التوازن‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬خير‭ ‬مثال‭ ‬خلال‭ ‬مارس‭ ‬2020،‭ ‬انهارت‭ ‬الأسواق‭ ‬بشكل‭ ‬هستيري‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬تدخل‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬وضخ‭ ‬التريليونات،‭ ‬عادت‭ ‬المؤشرات‭ ‬للصعود‭ ‬بقوة،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬قمم‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قياسي‭.‬

السبب؟‭ ‬الهبوط‭ ‬كان‭ ‬مبالغًا‭ ‬فيه‭ ‬بدافع‭ ‬الخوف،‭ ‬والارتفاع‭ ‬اللاحق‭ ‬كان‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بالسيولة‭ ‬الرهيبة‭ ‬التي‭ ‬فُتحت‭ ‬بلا‭ ‬سقف،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬صعود‭ ‬بعد‭ ‬الهبوط‭ ‬“صحي”‭ ‬أو‭ ‬“مستدام”‭. ‬أحيانًا‭ ‬يكون‭ ‬الصعود‭ ‬فقاعة‭ ‬جديدة،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬يكون‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬التمركز‭ ‬الذكي‭ ‬قبل‭ ‬موجة‭ ‬صاعدة‭ ‬حقيقية

السؤال‭ ‬الآن‭:‬‭ ‬هل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الانفجار‭ ‬سيكون‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كورونا؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مختلفة‭ ‬لأن‭ ‬أدوات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬استُهلكت،‭ ‬والمجال‭ ‬للمناورة‭ ‬ضاق؟

‭‬خبير‭ ‬مصرفي‭ ‬بحريني‭ ‬ومستشار‭ ‬اقتصادي