الترامبية القديمة الجديدة

| رضي السماك

في‭ ‬غمرة‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬العاصفة‭ ‬التي‭ ‬شنها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬أجمع،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬عليها،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬أقرب‭ ‬حليفاته‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬والعالم‭ ‬الثالث،‭ ‬بثت‭ ‬قناة‭ ‬DW‭ ‬الألمانية‭ ‬الناطقة‭ ‬بالعربية‭ ‬تقريرا‭ ‬إخباريا‭ ‬أواخر‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬دلالاته،‭ ‬ومفاده‭ ‬أن‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬الألمان‭ ‬اعتقلتهم‭ ‬سلطات‭ ‬الجمارك‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬بوسطون،‭ ‬وبعد‭ ‬تدقيق‭ ‬بيانات‭ ‬وصولهم‭ ‬واستجوابهم‭ ‬تعرضوا‭ ‬لمعاملة‭ ‬قاسية‭ ‬لا‭ ‬إنسانية،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬بوسطون‭ ‬نفسها‭ ‬ولديه‭ ‬إقامة‭ ‬دائمة‭ ‬فيها،‭ ‬وقد‭ ‬أفاد‭ ‬بأنه‭ ‬تعرض‭ ‬لاستجواب‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬القسوة،‭ ‬وأُجبر‭ ‬على‭ ‬خلع‭ ‬ملابسه‭ ‬والاستحمام‭ ‬بماء‭ ‬بارد،‭ ‬وعندما‭ ‬تعرض‭ ‬للمرض‭ ‬تم‭ ‬تقييده‭ ‬في‭ ‬السرير،‭ ‬بينما‭ ‬أعادت‭ ‬السلطات‭ ‬الاثنين‭ ‬الآخرين‭ ‬إلى‭ ‬بلادهما‭! ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬لمواطني‭ ‬دولة‭ ‬لطالما‭ ‬تباهوا‭ ‬بقوة‭ ‬جوازات‭ ‬سفرهم‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬دخول‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تأشيرة‭ ‬مسبقة‭.‬

الأغرب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الألمانية‭ ‬قللت‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬الحادث،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬انتشار‭ ‬الخبر‭ ‬بين‭ ‬أوساط‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الألماني‭ ‬اضطرت‭ ‬إلى‭ ‬رد‭ ‬غير‭ ‬مقنع،‭ ‬قائلة‭: ‬إن‭ ‬التأشيرة‭ ‬أو‭ ‬بطاقة‭ ‬الإقامة‭ ‬الدائمة‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬بالضرورة‭ ‬حاملها‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬لكن‭ ‬كثرة‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬الذين‭ ‬تابعوا‭ ‬الحادث‭ - ‬حسب‭ ‬القناة‭ ‬نفسها‭ - ‬ربطوا‭ ‬تكرار‭ ‬حالات‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬للألمان‭ ‬بأنه‭ ‬بمثابة‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬عسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬يوظفها‭ ‬ترامب‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬أوثق‭ ‬حلفائه‭ ‬للخضوع‭ ‬لابتزازاته‭. ‬وفي‭ ‬اتصال‭ ‬للقناة‭ ‬مع‭ ‬الحقوقية‭ ‬ساندرا‭ ‬نافيدي‭ ‬صرحت‭ ‬بأن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاعتقالات‭ ‬لا‭ ‬تراعي‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬البتة،‭ ‬بل‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مدة‭ ‬أسابيع‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬ضحاياها‭ ‬من‭ ‬التحدث‭ ‬إلى‭ ‬أقاربهم‭ ‬ولا‭ ‬توكيل‭ ‬محامين‭ ‬لهم‭.

وليست‭ ‬هناك‭ ‬حرية‭ ‬رأي‭ ‬للقادمين‭ ‬إلى‭ ‬المطارات‭ ‬الأميركية،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬تفتيش‭ ‬هواتفهم،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬اكتُشف‭ ‬فيها‭ ‬نقد‭ ‬لسياسات‭ ‬ترامب‭ ‬فلا‭ ‬غرابة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تعرضوا‭ ‬لمثل‭ ‬تلك‭ ‬الاستجوابات‭ ‬والمعاملات‭ ‬القاسية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الاحتجاز‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

أن‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬لمواطني‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬غرابة‭ ‬فيه،‭ ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬حظر‭ ‬دخول‭ ‬مواطني‭ ‬سبع‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬إلى‭ ‬أراضي‭ ‬بلاده‭ ‬خلال‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى،‭ ‬والآن‭ ‬تتدارس‭ ‬إدارته‭ ‬فرض‭ ‬حظر‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬43‭ ‬دولة‭ ‬بينها‭ ‬دول‭ ‬عربية‭. ‬وأن‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬لمواطنين‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬حلفاء‭ ‬بلده‭ ‬كألمانيا‭ ‬وكندا‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬تفسير‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬اليوم‭ ‬إزاء‭ ‬مذهب‭ ‬سياسي‭ ‬قديم‭ ‬جديد‭ ‬اسمه‭ ‬“الترامبية”،‭ ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬فيه‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬أكثر‭ ‬تطرفا‭ ‬ووحشية‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬تولي‭ ‬ترامب‭ ‬زمام‭ ‬ولايته‭ ‬الحالية‭. ‬منطق‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬يردده‭ ‬إما‭ ‬حرفيا‭ ‬أو‭ ‬ضمنيا‭: ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬مدينة‭ ‬لأميركا‭ ‬لأنها‭ ‬تدعم‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬بلا‭ ‬مقابل‭! ‬وعليها‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬أو‭ ‬تتعرض‭ ‬لعقوباتنا،‭ ‬وبصفتنا‭ ‬الدولة‭ ‬الجبارة‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬وصناعيا‭ ‬فنحن‭ ‬لسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬للتوافق‭ ‬مع‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬إرضائها،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬انه‭ ‬منطق‭ ‬انعزالي‭ ‬مدفوع‭ ‬بالغطرسة،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استمر‭ ‬طويلا‭ ‬أن‭ ‬يعرض‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسلم‭ ‬العالميين‭ ‬لمخاطر‭ ‬جمة‭. ‬ولئن‭ ‬رأينا‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الألماني‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬مواطنوها‭ ‬من‭ ‬انتهاكات‭ ‬فظة‭ ‬لأبسط‭ ‬حقوقهم‭ ‬كان‭ ‬ردا‭ ‬تبريريا‭ ‬مهلهلا‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬سوى‭ ‬الخضوع‭ ‬لسياسة‭ ‬ترامب‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬ترامب‭ ‬باتت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬النازية،‭ ‬وسيظل‭ ‬متمسكا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتوحد‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬باتحاداته‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬مواجهتها،‭ ‬كالاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬والجامعة‭ ‬العربية‭ ‬ومنظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المنظمات‭ ‬والتجمعات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬حد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬المشترك‭ ‬لصوغ‭ ‬موقف‭ ‬جماعي‭ ‬لمواجهة‭ ‬السياسات‭ ‬الترامبية‭ ‬التي‭ ‬أضحى‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بأسره‭ ‬متضررا‭ ‬منها‭.‬

 

كاتب بحريني