المراهقون ورهانات القراءة

| سليم مصطفى بودبوس

القراءة وسيلة محمودة وغاية نبيلة، في الوقت ذاته من أجل خلق جيل قارئ يكون في مستقبل الأعوام مسؤولًا وقائدًا. غير أنّ الاستغراق في قراءة نوع محدّد من الكتب دون دليل أو خطّة أو موجّه مشرف قد ينحرف بغايات القراءة وأهدافها المرجوة. أقول هذه الكلمات تزامنًا مع التقدم في مراحل أكبر مسابقة عربية في القراءة في موسمها التاسع، وقد لفت انتباهي من خلال تحكيم مسابقات تحدي القراءة العربي منذ سنوات، ميل عدد كبير من طلابنا في المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى قراءة كتب ما يعرف بالتنمية الذاتية أو التطوير الذاتي. شغل موضوع التنمية البشرية العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، ولاسيما بعد خروج البلدان التي شاركت في الحرب العالمية الثانية مصدومة من الدمار البشري والاقتصادي الهائل. ومع مطلع الألفية الثالثة أصبح موضوع التنمية الذاتية حديث الساعة، خصوصًا بعد أن برز في قمة هرم ماسلو للاحتياجات البشرية مفهوم تحقيق الذات، فتهاطلت الكتب ذات الصلة بالتنمية الذاتية حتى اختلط فيها الحابل بالنابل. ويحضرني هنا كتاب “خرافات التنمية البشرية”، للدكتور عمار عبدالغني، الصادر سنة 2016 وفيه حاول أن يَميز العلمي من الخرافي في هذا المجال، وأن يكشف المفاهيم الخاطئة الوافدة على التنمية البشرية، خصوصًا ما ارتبط بالتنمية الذاتية زيفًا وزورًا كالتنجيم أو ما يسمّى بعلم الطاقة وقانون الجذب، والعلاج بالألوان، والريكي والبرانا والبرانيك، وطاقة تشي، وغيرها من الدواخل والعلوم الزائفة التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة.  إن إقبال الناس على هذا النوع من الكتب ولاسيّما طلبتنا المراهقين سيضعهم أمام رهانات وتحديات كبيرة؛ إذْ عليهم أن يتسلّحوا بتفكير ناقد وعقيدة دينية راسخة.

ومعرفة دقيقة بما ينفع الناس وما يضرّهم حتى لا يأخذوا الحسن مع القبيح فتتسلّل إلى رؤوسهم أفكار تتعارض مع العقل ولا تتوافق مع ديننا وعقيدتنا، بل ربّما يصل الأمر ببعض الممارسات المحسوبة على التنمية الذاتية إلى إدخال السحر والشعوذة إلى حياتنا بطريقة جديدة وتحت مسميات متعددة. إنّ القراءة وسيلة تمكين من أجل بناء جيل واع تنظيميًّا وعلميًّا وتكنولوجيًّا، جيل يكون في المستقبل القريب مبدعًا ومنتجًا. لذا وجب أن نتخيّر لطلابنا ما يقرأون وأن نترك لهم فسحة معقولة ومدروسة من حرية الاختيار إلى أن يشتدّ عودهم، فيعوّلوا على أنفسهم في اختياراتهم بكل وعي.

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية