“مايكروسوفت” بين ابتهال ومصطفى: حين يرتفع الصوت.. ويسقط الرمز
| ياسر سليم
فيما كانت شركة عملاقة عمرها نصف قرن، تحتفل بإنجازاتها على وقع تصفيق مدو وشاشات تضيء مستقبل الذكاء الاصطناعي، انسلت موظفة مغربية، اسمها ابتهال أبو سعد، من الصفوف الخلفية لتقول “لا”. “لا” لم تكن مجرد اعتراض على كلام هامشي، بل اعتراضا في المتن، كانت صفعة أخلاقية في وجه الصمت. كانت شظية إنسانية اخترقت جدارًا أملسًا من التكنولوجيا الباردة. ابتهال، المبرمجة اللامعة في “مايكروسوفت”، قررت أن تقاطع احتفال الخمسين عامًا للشركة، وتُرسل رسالة نارية لزملائها، تتهم فيها مدير الذكاء الاصطناعي الجديد مصطفى سليمان، السوري الأصل، بدعم جيش الاحتـلال. لم تتحدث بصفاقة، بل بصوت محمل بالجرح، وبصدى المجازر. من سخرية الأقدار أن مصطفى سليمان، الذي طالما رُفع اسمه كرمز عربي اخترق النخبة الغربية، بات اليوم عنوانًا لسقوط أخلاقي، يتماهى فيه الطموح الشخصي مع التواطؤ الصامت. ما كان أحد يتخيل أن يُعاد تشكيل المعادلة: أن يكون صاحب الحظوة والمناصب هو المتهم، والمبرمجة الشابة هي من تشعل شمعة الضمير. هو مدير الذكاء الاصطناعي، وهي صوت الفطرة. هو في أعلى السُلم، وهي تقف على عتبة الاحتجاج. لكن في ميزان التاريخ، ترجح كفة من تكلمت. ليس هذا مجرد خلاف داخلي في شركة. هذه لحظة فارقة، تُظهر كيف أن بعض الأصوات، حتى وهي وحدها، تزلزل الصروح الكبرى. كيف يمكن “لإيميل داخلي” أن يكون أبلغ من حملة علاقات عامة بكاملها. ابتهال لم تستخدم سوى شجاعتها. لم تمتلك شركة ولا خوارزمية، بل امتلكت شيئًا أبسط وأثمن؛ الحد الأدنى من الكرامة. قالتها بوضوح: لا يمكننا أن نبني ذكاءً اصطناعيًا فوق أنقاض الضمير. لا نريد أن نتعلم من آلة يديرها من صمت عن الدم. في المقابل، بدا صمت مصطفى سليمان مخزيًا، إن لم يكن مدانًا. هو من تربى على هامش المدن البريطانية، وكان يحمل حلم “تمكين الإنسان”، فإذا به اليوم يشارك في تلميع صورة من يسحق الإنسان. هو من بشر بأن التقنية ستعيد تشكيل العدالة، فإذا به يصمت حين سُحقت العدالة أمامه.
أي مفارقة هذه؟ أن يُخفق من علقنا عليه الأمل، ويُشرق من لم نكن نعرف اسمها بالأمس. لقد صار واضحًا الآن؛ التكنولوجيا لا تنفصل عن الأخلاق. والخوارزميات ليست محايدة حين تصمت أمام القتل. وبين من يكتب كودًا للحياة، ومن يطبع على جدران الذكاء اسم القاتل، يقف التاريخ شاهدًا. ابتهال أبو سعد ليست بطلة لأنها تحدت مديرًا، بل لأنها انتصرت للمعنى. ومصطفى سليمان ليس مجرد شخصية مثيرة للجدل، بل بات تجسيدًا للخذلان حين يصمت المثقف عن الجريمة، وبعدها تعالت أصوات مثيلة ضد مساهمات “مايكروسوفت” في جرائم الإبادة. في زمن تتسارع فيه الخطى نحو المستقبل، تذكروا أن القيم لا تبلى، وأن الحقيقية لا تحتاج إلى خوارزمية كي تتكلم. أحيانًا، يكفي موقف واحد، من شخص واحد، ليعيد تعريف البطولة.