العالم العربي.. “وعي مزيف” و “واقع” غير مكتشف
| مرتضى بن حسن
الواقع المأساوي للعرب، معقد ومتشابك، وتتداخل وتتفاعل فيه أسباب عديدة، داخلية وخارجية، قديمة وحديثة. وقد آن الأوان لأن يعترف العرب بشجاعة بأن واقعهم الراهن ليس وليد مؤامرة خارجية فقط، أو ناتجا من مجرد مصادفات. فكما أن العامل الخارجي لم يمنع دولا أخرى من تجاوز مشاكلها واستثمارها لمصلحتها، كذلك فإن العقل والمنطق يشيران إلى أن تكرار ظواهر الإخفاق والفشل يعكس خللا هيكليا داخليا أكثر من المصادفة. قانون المصادفة لم يخلق حسب مزاج العرب وقياسهم. وفي كل الأحوال، فمهما كان تأثير العامل الخارجي الذي لا يمكن إنكاره وإن كان من الضروري وضعه في إطاره المناسب والصحيح، فإن العامل الداخلي هو المسؤول عن تخلف العرب، وهو الأهم والأقسى لأنه من صنع العرب أنفسهم وهو ملتصق بهم التصاق الرمش بالعينين والراحتين بالأصابع. تقول الأساطير القديمة إن البحارة عندما كانوا يواجهون الأمواج العنيفة والرياح العاتية أثناء إبحارهم، كانوا يقبلون على صناديق الجثث الموجودة على ظهر السفينة، يفتشونها على أمل أن يعثروا على جثة مخفية في إحدى الصناديق التي هي سبب بلائهم وحظهم العاثر لإلقائها في البحر، معتقدين أنها ستكون نهاية محنتهم وبلائهم. ويبدو أننا إذا حاولنا تكرار التجربة نفسها في السفينة العربية التي عصفت بها الرياح واضطربت بها الأمور، فإن البحث سيقودنا إلى اكتشاف جثث عديدة متعفنة متراكمة وليست جثة واحدة. وتراكم وتعفن الجثث أدى إلى خراب وفساد في البيئة العربية كلها، ومازالت روائح التعفن تطاردنا، رغم استعمالنا كل أنواع العطور والبخور. في عام 1825، قرر محمد علي الكبير، إرسال بعثة من 40 طالبا مصريا إلى باريس لتعلم اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة ومعهم الشيخ الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي، ليكون واعظا وإماما للمصلين. ومن تلك المدينة الباهرة، عاد بكتابه الشهير “تخليص الإبريز في تخليص باريز”. الكتاب كان دعوة شبه صريحة إلى شرط تحتاجه الشعوب في يقظتها وهو شجاعة الشك والجسارة على مراجعة المنقول والمحفوظ، والذي عطّل العقل العربي وحبس حركته وفعله. ورجع الطهطاوي من باريس كمصلح اجتماعي بعد أن ذهب إليها كإمام وواعظ. مضى على صدور الكتاب أكثر من قرن و80 عاما. وفي هذه المساحة من الزمن لم تصل شجاعة الشك إلى مشارف الحقيقة، ولعلها اقتربت مرات ثم اختلطت عليها المسالك. فالظاهر أن “الإبريز” الذي استخلصه الشيخ “رفاعة” في تلخيص “باريز” ضاع في الصحاري العربية أو طمى الأنهار أو أمواج الخلجان والبحار المبسوطة على رقعة الخريطة العربية! لقد فشل العرب في اجتياز المراحل الحرجة من تجربة التنوير الفكري والتقدم الاقتصادي والتوازن الاجتماعي والرشد السياسي. كذلك لم تنجح “جلسات” مؤتمر التنوير العربي التي انعقدت في القاهرة في القرن الثامن عشر المنادية بالإصلاح وضرورة هدم الهوة السحيقة التي تبعدنا عن العالم المتقدم، لأن الحكومات لم تدعمها، كما أن قوى الشد الرهيبة في المجتمعات العربية أرغمتها على التراجع، ولكن بعد أن تاهت في دروبها المتعرجة. بدأنا بتناول الأقراص المهدئة وبنهم شديد حتى تحولت العملية إلى عادة مستشرية لأن الأقراص كانت من ذلك السم الممزوج بالعسل تعطينا نكهة لذيذة بداية، ولكن بعد ذلك ينتهي مفعوله ليبدأ تأثير السم القاتل وينتشر مفعوله إلى الجسم كله ليقضي على جهاز المناعة فيه. كثيرون منا غير مدركين أنهم ينظرون إلى ظاهرة التأزم المحتقن في العالم العربي بطريقة أحادية ومن زاوية معينة، وبالتالي فإنهم لا يرون من هذه الظاهرة إلا عنصرا واحدا من عناصرها العديدة والمعقدة ويصلون إلى قناعات ساذجة بأن ما يشاهدونه هو الظاهرة كلها، بينما الحقيقة أنهم لم يطلعوا إلا على وجه واحد منها ورصدوا ذلك الجانب الذي وقعت عليه أعينهم، دون أن ينتبهوا أن للظاهرة مكونات وظلالا أخرى لم تتح لهم الفرصة أن يروها، سواء لأنها تتجاوز مدى رؤيتهم أو لأنها حجبت عنهم أو لأنهم ببساطة أشاحوا بوجوههم عنها ولم يرغبوا في رؤيتها. ومع الأسف فإن أطرافا عديدة تفقأ عيونها لكي لا ترى الحقيقة مثلما فعلها ذات يوم (أوديب) حسب الميثولوجية الإغريقية القديمة، لكي لا يرى الحقيقة. أطباء المجتمع المدركون لطبيعة المشاكل وجذورها، وهم الكتاب والمثقفون والمفكرون - أصبحت كلماتهم مختطفة أو محتقنة أو مغتصبة. إن أي كاتب مدرك، يحاول الوصول إلى نقطة العورة يرى أن مهمته أصبحت عسيرة جدا. وليس سبب ذلك هي الحكومات، إنما المجتمعات بعاداتها المتصلبة تجهز على الكاتب قبل الحكومات. ذلك أن الحقائق العلمية لم تتسرب إلى صميم وعي وأجواء مجتمعاتنا، وتصرفاتها مشوبة بكثير من الأوهام التي تؤدي إلى مظاهر فاضحة من الخداع والانخداع، وهي نتيجة للتجارب التاريخية التي كنا خاضعين لها. فالمجتمع مثل الفرد، في أية مرحلة من حياته هو نتاج خبرات مراحل سابقة من هذه الحياة التي أضفت سمات متميزة على شخصيته. داخل وعينا الباطني مساحات كبيرة تتسع لكل القيم القبلية والعشائرية والمذهبية والطائفية والخرافية، وفيها مساحات تتسع لإقامة مضارب الخيام حيث تُسرد قصص التاريخ في بطولاته وفتوحاته وأمجاده من دون التطرق إلى تأزماته ومشاكله ومؤامراته وحروبه وفتنه الداخلية وتعقيداته وأوهامه وترسباته. وفي الجانب الثاني تقابلنا التقنيات الحديثة وشبكات “الإنترنت” والذكاء الاصطناعي والانفتاح الإعلامي الثقافي الحضاري العالمي وتقوم وسائل الاتصال السريعة بل والآنية بعبور الحدود الجغرافية دون قيود ولا شروط، برسائلها ومضامينها، دون وجود قدرة لدينا على هضمها واستيعابها. وكرد فعل لمواجهة ذلك نحاول التعويض عن عجزنا وإخفاقاتنا بالتشدق بالماضي ومواجهة الواقع المنهار بالمقولات “الفكرية” القديمة التي تحمل معاني العزة والكرامة، ونقتنع بالأجوبة السهلة للأسئلة المعقدة واجترار ما عهدنا من التغني بالماضي. فنحن أمة عظيمة وعلماؤنا وفلاسفتنا علموا أوروبا والعالم. كل ذلك يجري دون أن ندرك بأن التغني أصبح مظهرا غير صحي ولا حضاري، وأنه يصرفنا عن النظر إلى قضايا الحاضر والمستقبل، وبالتالي فإن هذا التغني هو أحد عناصر الأزمة التي نعانيها. يرى المفكر السوري هشام صالح في كتابه “الانسداد التاريخي” أن العرب يعانون انسدادا تاريخيا يمنعهم من الانطلاق بسبب التناقض المطلق بين ما يعتقدونه ويتمسكون به وبين التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي جاءت بها الأزمنة الحديثة، والتزامهم بحرفية النصوص الذي يؤدي بالعربي إما إلى إنكار منجزات الحداثة أو إعلان الحرب على العصر الذي نعيشه بكل ملامح التحضر والتقدم به. وهكذا يقع العربي والمسلم في تناقض قاتل لا مخرج منه إلا بالتأويل المجازي للنصوص والاعتراف بالمشروطية التاريخية له كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد عصر التنوير، عندما فرقوا بين ما هو عرضي وما هو دائم، ولكن العرب فشلوا في تحقيق المصالحة الكبرى بين الأفكار القديمة والعقل والحداثة. مازالت التيارات السلفية التي تنتهج أساليب التلقين الآيديولوجي والهيمنة المطلقة على عقول الأتباع وتطويعهم وتدجينهم هي المسيطرة. كيف ينظر العالم الخارجي إلينا يا ترى؟ لماذا تتوسع الفجوة بين السطح والقاع وتزداد المساحات بين الشرائح الاجتماعية وتنقرض الطبقة الوسطى الحافظة للتوازن الاجتماعي؟ كم من العلماء والفلاسفة والمبدعين الذين أنتجناهم؟ وما هي الإنجازات التي قدمناها للعالم خلال العقود العشرة الماضية؟ أين هم خيرة علمائنا الذين أنتجتهم الجامعات الأجنبية وكم من هؤلاء حافظنا عليهم، ولماذا فضل عدد كبير منهم الرحيل إلى المهجر، حيث تشعر الدول المتقدمة ومن ضمنها الولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى مزيد من الكفاءات العالمية والمهارات المدربة وتصدر قوانين خاصة لاستيعابهم وإعطاء الجنسيات لهم؟ لماذا أصبحت البيئة العربية طاردة للكفاءات في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إليها، حيث مازلنا نرزح تحت أعباء التخلف ونمر بالمراحل الأولى من النمو والتطور؟ لماذا نحن محاصرون بتناقضاتنا، وتتباعد يوما بعد يوم مساحة الاختلاف بين ما تردده الألسن وما يجرى على أرض الواقع من تصرفات؟ وإذا كانت المقدمات تؤدي إلى النتائج، كما يقول المناطقة، فأية نتائج يمكن أن تستشف من قراءة المقدمات المطروحة، فما هي المقدمات التي أوصلتنا الى هذه النتائج المأساوية؟ لماذا تعاظم الانفصام بين “الوعي” الذي جرى تزييفه باستمرار بالمخدرات “الفكرية” والحبوب المنومة والأوهام وبين “الواقع” الذي لم يتم اكتشافه بعد؟
كاتب عماني