ترامب والقانون الدولي: رئاسة في ميزان الشرعية
| رجب قاسم
الرئاسة ليست سلطة مطلقة وإنما تفويض دستوري محكوم بقيود قانونية ومؤسسية ترامب لوّح بإعادة النظر في التزامات بلاده تجاه اتفاقيات عدة تعليق استقبال اللاجئين وترحيل فئات معينة يتعارض مع اتفاقية اللاجئين للعام 1951 والبروتوكول الملحق بها للعام 1967مما لا شك فيه أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية قد أحدثت زلزالا سياسيا وقانونيا على المستويين الداخلي والدولي، خاصة في ظل القرارات التنفيذية المثيرة التي بدأ باتخاذها منذ اللحظة الأولى لتسلمه مقاليد الحكم إذ بدا واضحا أن الرجل لم يغير نهجه السابق، بل عاد هذه المرة بمزيد من الحزم والرغبة في إعادة تشكيل صورة الدولة العظمى وفق تصوره الخاص، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام نقاش قانوني معمق حول مشروعية تلك القرارات واتساقها مع المبادئ الدستورية الأمريكية، ومع قواعد القانون الدولي التي تحكم العلاقات بين الدول.
ولأن الرئاسة ليست سلطة مطلقة وإنما تفويض دستوري محكوم بقيود قانونية ومؤسسية؛ فإن أي تجاوز لتلك الحدود يضع الإدارة الأمريكية في مرمى الانتقادات الدستورية داخليا، والاعتراضات الدولية خارجيا خصوصا إذا مست تلك السياسات الاتفاقات الدولية أو الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.
قرارات داخلية مثيرة للجدل
منذ أيامه الأولى في ولايته الجديدة، أصدر ترامب مجموعة من القرارات الرئاسية المثيرة للجدل. أبرزها إعادة تفعيل حظر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية، وتوسيع سلطات سلطات الهجرة لترحيل المقيمين غير النظاميين وتعليق العمل ببرامج إعادة التوطين للاجئين.
كما أصدر عفوا رئاسيا شمل عددا من المدانين في قضايا ترتبط بأحداث اقتحام الكونغرس في السادس من يناير 2021، وهو ما اعتبره خصومه خطوة لتقويض مبدأ سيادة القانون، ومكافأة للمتورطين في أعمال عنف ضد المؤسسات الدستورية.
وما زاد من وقع الجدل هو قراره المفاجئ بتجميد التعاون مع بعض الوكالات الفيدرالية المعنية بالتحقيق في قضايا انتخابية، إلى جانب تصعيد خطابه ضد الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، واتهامها بـ “خيانة الإرادة الوطنية”.
الشرعية الدستورية محل اختبار
في السياق الأمريكي الداخلي تتجدد التساؤلات حول مدى شرعية تلك القرارات في ضوء النصوص الدستورية، فالدستور الأمريكي يمنح الرئيس سلطات تنفيذية واسعة، لكنه لا يعطيه تفويضا مطلقا يتجاوز به صلاحيات الكونغرس أو السلطة القضائية.
وبينما يرى أنصاره أن تلك الإجراءات تقع ضمن نطاق السلطة التنفيذية التي خُول بها كرئيس منتخب، فإن معارضيه يرون فيها تماديا في تجاوز المؤسسات الدستورية وتغولا على النظام الفيدرالي؛ ما يهدد بتآكل الضوابط التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الأمريكي.
المحكمة العليا الأمريكية بدورها قد تكون أمام اختبارات حاسمة في المرحلة المقبلة للفصل في مدى قانونية بعض تلك الأوامر التنفيذية، كما حدث في ولايته الأولى، عندما أوقفت بعض المحاكم الفيدرالية قرارات مشابهة تتعلق بالهجرة وحظر السفر.
موقف القانون الدولي من قرارات ترامب الأخيرة
إن كثيرا من القرارات التي اتخذها ترامب تمس مباشرة الالتزامات الدولية للولايات المتحدة؛ ما استدعى ردود فعل من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية.
1. الانسحاب من الاتفاقيات الدولية:ترامب لوّح بإعادة النظر في التزامات بلاده تجاه عدة اتفاقيات، من بينها اتفاق باريس للمناخ، وهو ما يعيد للأذهان انسحابه السابق منها عام 2017، ورغم أن الانسحاب من الاتفاقيات الدولية حق سيادي، إلا أنه يجب أن يتم وفقا للمادة 56 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام 1969، التي تنظم شروط الخروج القانوني من المعاهدات. الانسحاب المفاجئ دون مبررات واضحة أو بدائل قانونية يعكس تراجعا في التزامات الدولة الدولية ويضعف الثقة في مصداقيتها أمام شركائها.
2. العفو عن مدانين في جرائم سياسية:قرار العفو عن متورطين في اقتحام الكابيتول يطرح إشكالا قانونيا دوليا، فالمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم المرتكبة ضد المؤسسات الديمقراطية تدخل ضمن نطاق “المساءلة الدولية”، وإن لم يكن هناك محكمة جنائية دولية مختصة بمحاكمة الرؤساء، فإن المجتمع الدولي قد يعتبر أن هذه القرارات تشجع الإفلات من العقاب وتعرقل العدالة.
3. التضييق على اللاجئين والمهاجرين:تعليق استقبال اللاجئين وترحيل فئات معينة يتعارض مع اتفاقية اللاجئين للعام 1951 والبروتوكول الملحق بها للعام 1967، التي وقّعت عليها الولايات المتحدة. كما أن أي إجراءات تتسم بالتمييز على أساس العرق أو الجنسية تُعد انتهاكا للميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ ما يضع واشنطن تحت ضغط قانوني دولي متزايد من المنظمات الحقوقية والهيئات الأممية.
4. قرارات تجارية ذات طابع انتقامي:القرارات الاقتصادية لترامب، كفرض رسوم جمركية جديدة على الواردات الصينية، قد تُعرض الولايات المتحدة لانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقيات منظمة التجارة العالمية؛ ما يفتح الباب أمام خصومها لتقديم شكاوى ضدها، وهو ما قد يؤدي إلى إجراءات عقابية أو مقاطعات اقتصادية.
. 5انسحابات عسكرية مفاجئة:التلويح بسحب القوات الأمريكية من مناطق استراتيجية، خاصة في شرق أوروبا أو الشرق الأوسط، قد يُخل بالتوازنات الأمنية التي تشكلت وفق اتفاقيات عسكرية ثنائية ومتعددة الأطراف. الانسحاب دون تنسيق أو مبرر قانوني واضح قد يُعد إخلالا بالتزامات أمنية تعاقدية ويؤدي إلى تهديد السلم الإقليمي، وهي مخالفة محتملة لميثاق الأمم المتحدة.
ردود الفعل الدولية: تحفظات لا تخفى
لم تتأخر ردود الأفعال الدولية على قرارات ترامب. فقد صدرت بيانات من الاتحاد الأوروبي، كندا، والأمم المتحدة، تعرب عن قلقها من السياسات الأمريكية الجديدة، لا سيما تلك المتعلقة باللاجئين والمناخ وحقوق الإنسان. كما أعربت بعض الدول عن استعدادها لإعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن إذا استمرت في مسارها الانعزالي، وهو ما يشير إلى أن التحدي القادم لن يكون فقط قانونيا، بل جيوسياسيا بامتياز.
رؤية قانونية
إن الرئاسة الأمريكية، رغم قوتها السياسية والرمزية، تبقى محكومة بمنظومة دستورية داخلية، وبشبكة التزامات دولية تفرض على الرئيس احترام القانون الدولي العام، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، الالتزامات البيئية، والاتفاقيات الأمنية والاقتصادية. وتكشف قرارات ترامب عن صراع أزلي بين السيادة الوطنية والشرعية القانونية الدولية، حيث تسعى بعض الإدارات إلى فرض أجندات وطنية قد تتعارض مع المعايير القانونية الدولية، إلا أن هذا النهج قد يقوّض مكانة الدولة في النظام العالمي ويضعف تحالفاتها الاستراتيجية. وفي ضوء ذلك، فإن استمرار ترامب في إصدار قرارات ذات طبيعة استثنائية دون الالتفات إلى القيود القانونية سيؤدي حتما إلى عزلة سياسية دولية، وربما إلى صدام مؤسسي داخلي، يعيد النقاش حول حدود السلطة الرئاسية في النظام الديمقراطي الأمريكي، ويطرح تساؤلات خطيرة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسير نحو “جمهورية قانونية موازية”، لا تقيم وزنا للمؤسسات، ولا لالتزاماتها القانونية الخارجية.
* مستشار مصري مقيم في عُمان