التعايش الديني في أبهى صوره

| زهير توفيقي

في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬أسمى‭ ‬معاني‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬الديني،‭ ‬استضافت‭ ‬إحدى‭ ‬الكنائس‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬Sint-Jans-Molenbeek‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬البلجيكية‭ ‬بروكسيل‭ ‬500‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬الصائمين‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬الإفطار‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬الفائت،‭ ‬والتي‭ ‬رشحت‭ ‬لاستضافة‭ ‬عاصمة‭ ‬الثقافة‭ ‬الأوروبية‭ ‬“بروكسيل‭ ‬2030”،‭ ‬فقد‭ ‬نقلت‭ ‬إحدى‭ ‬القنوات‭ ‬الفضائية‭ ‬العربية‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الرائعة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬رسالة‭ ‬قوية‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬واحترام‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬والديني‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭. ‬وكم‭ ‬كان‭ ‬رائعًا‭ ‬سماع‭ ‬الأذان‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكنيسة،‭ ‬حيث‭ ‬يستحق‭ ‬القائمون‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬لهم‭ ‬القبعة‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬ليست‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نوعها،‭ ‬لكنها‭ ‬فرصة‭ ‬سانحة‭ ‬للتذكير،‭ ‬فهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الجميلة‭ ‬وجب‭ ‬علينا‭ ‬جميعًا‭ ‬الإشادة‭ ‬بها‭ ‬ونشرها‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة‭ ‬منها،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تعتبر‭ ‬درسًا‭ ‬للمتشددين‭ ‬الذين‭ ‬يقاطعون‭ ‬الديانات‭ ‬السماوية‭ ‬الأخرى،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬يحرمون‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬الاقتراب‭ ‬منهم‭ ‬أو‭ ‬تهنئتهم‭ ‬في‭ ‬أعيادهم‭ ‬الدينية‭! ‬فالكثير‭ ‬منهم‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬زيارة‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬الكنيسة‭ ‬في‭ ‬الأفراح‭ ‬أو‭ ‬الأتراح،‭ ‬بل‭ ‬يعتبرونها‭ ‬من‭ ‬المحرمات‭! ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬محاربتها،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬إعطائهم‭ ‬الفرصة‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يمثلون‭ ‬الإسلام‭ ‬تمثيلًا‭ ‬صحيحًا،‭ ‬بل‭ ‬يسيئون‭ ‬له‭!‬

‭ ‬إن‭ ‬فكرة‭ ‬اجتماع‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬عبادة‭ ‬مسيحي‭ ‬لتناول‭ ‬وجبة‭ ‬الإفطار‭ ‬تعكس‭ ‬روح‭ ‬الأخوة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتعد‭ ‬ترجمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتعايش‭ ‬الديني،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاوز‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬مجرد‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬والتضامن‭. ‬فالإفطار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬لتناول‭ ‬الطعام،‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية‭ ‬وكسر‭ ‬الحواجز‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تخلقها‭ ‬الاختلافات‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية،‭ ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬يعج‭ ‬بالتوترات‭ ‬وسوء‭ ‬الفهم‭ ‬بين‭ ‬الأديان‭ ‬تأتي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأديان‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬المحبة‭ ‬والسلام‭. (‬

فعندما‭ ‬تفتح‭ ‬الكنائس‭ ‬أبوابها‭ ‬للصائمين،‭ ‬وحين‭ ‬يشارك‭ ‬المسلمون‭ ‬جيرانهم‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬احتفالاتهم‭ ‬الدينية،‭ ‬يصبح‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬ترابطًا‭ ‬وإنسانية‭. ‬من‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬يتهمني‭ ‬أحد‭ ‬الإخوة‭ ‬بالكفر‭ ‬والعصيان‭ ‬لأنني‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬أقوم‭ ‬بزيارة‭ ‬الجاليات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مناسباتهم‭ ‬الدينية‭ ‬المختلفة‭.‬

وكما‭ ‬ذكرت‭ ‬آنفًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬ليس‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه،‭ ‬لكنه‭ ‬مثال‭ ‬حي‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬بناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬تحتفي‭ ‬بالتنوع‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تخشاه،‭ ‬والتسامح‭ ‬يعني‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬ومد‭ ‬جسور‭ ‬الحوار‭ ‬والتعاون‭.‬

كم‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬تنتشر‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬فهي‭ ‬تذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يجمعنا‭ ‬كبشر‭ ‬يفوق‭ ‬بكثير‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يفرقنا‭. ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬نحن‭ ‬جميعًا‭ ‬أبناء‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ورسالة‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الحب‭ ‬والسلام‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني