جاءني “البيان التالي”!

| أسامة مهران

‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أنتهي‭ ‬من‭ ‬كتابة‭ ‬المقالتين‭ ‬السابقتين‭ ‬اللتين‭ ‬حملتا‭ ‬عنوان‭ ‬“ليلة‭ ‬من‭ ‬السماء”‭ ‬تيمنًا‭ ‬بمجالس‭ ‬شهر‭ ‬مضان‭ ‬الفضيل،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬ثوابتنا‭ ‬وتقاليدنا‭ ‬تجلت‭ ‬بهذا‭ ‬المستوى‭ ‬لتربطنا‭ ‬بالعالم‭ ‬الكبير،‭ ‬وبالآخر‭ ‬المختلف،‭ ‬حتى‭ ‬فاجأني‭ ‬الزميل‭ ‬العزيز‭ ‬راشد‭ ‬الغائب‭ ‬برسالة‭ ‬لم‭ ‬أتوقعها‭ ‬منحازًا‭ ‬فيها‭ ‬إلي،‭ ‬ومشيدًا‭ ‬بالتناول‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬المباركة‭. ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬كانت‭ ‬سعادتي‭ ‬بالغة‭ ‬وكنت‭ ‬مثل‭ ‬الذين‭ ‬يستطلعون‭ ‬هلال‭ ‬الأشهر‭ ‬“الحرم”،‭ ‬لا‭ ‬يتوقع‭ ‬دائمًا‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة،‭ ‬أو‭ ‬دليلا‭ ‬قاطعا‭ ‬على‭ ‬الرؤية،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬السحب‭ ‬الرمادية‭ ‬كثيفة،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬بريئة‭ ‬براءة‭ ‬الذئب‭ ‬من‭ ‬دماء‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الهلال،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬الرياح‭ ‬عاتية‭ ‬فينحرف‭ ‬النظر‭ ‬ناحية‭ ‬الصواري،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬انحرافه‭ ‬صوب‭ ‬السماء‭.‬

باغتني‭ ‬الزميل‭ ‬العزيز‭ ‬راشد‭ ‬الغائب‭ ‬بكلمات‭ ‬أعتقد‭ ‬بأنه‭ ‬منحاز‭ ‬لي‭ ‬فيها،‭ ‬لأن‭ ‬شهادتنا‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬نحب‭ ‬دائمًا‭ ‬مجروحة،‭ ‬وانحيازنا‭ ‬العاطفي‭ ‬إليهم‭ ‬أصبح‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬أو‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬الصواري‭ ‬المرفرفة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬“أهلة”‭ ‬لشهر‭ ‬فضيل،‭ ‬والمقالات‭ ‬المكتوبة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬عامرة‭ ‬بالحب‭ ‬لكائن‭ ‬من‭ ‬كان‭. ‬“أيها‭ ‬الصديق‭ ‬العابر‭ ‬بين‭ ‬الأرواح‭ ‬والكلمات،‭ ‬قرأت‭ ‬مقالك‭ ‬فوجدتني‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬ليس‭ ‬ككل‭ ‬المجالس،‭ ‬مجلس‭ ‬تحضر‭ ‬فيه‭ ‬الإنسانية‭ ‬قبل‭ ‬السياسة،‭ ‬ويتجلى‭ ‬فيه‭ ‬الحوار‭ ‬كجسر‭ ‬لا‭ ‬كحاجز‭. ‬لقد‭ ‬أمسكت‭ ‬بالقلم،‭ ‬لا‭ ‬لتكتب‭ ‬عن‭ ‬لقاء،‭ ‬بل‭ ‬لتضيء‭ ‬زوايا‭ ‬لا‭ ‬تراها‭ ‬العيون،‭ ‬بل‭ ‬تشعر‭ ‬بها‭ ‬القلوب‭. ‬في‭ ‬وصفك،‭ ‬رأينا‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬اللقاء‭ ‬مساحة‭ ‬للتفاهم،‭ ‬لا‭ ‬ساحة‭ ‬للجدل،‭ ‬وكيف‭ ‬يجمعنا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬تحت‭ ‬سماء‭ ‬واحدة‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬المواقف‭ ‬واللغات”‭. 

مقالك‭ ‬رحلة،‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬ذكريات‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬صدى‭ ‬الحضارة‭ ‬المصرية،‭ ‬ومن‭ ‬حوار‭ ‬السفراء‭ ‬إلى‭ ‬دفء‭ ‬الحنين‭. ‬اخترت‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬منصبه،‭ ‬والموقف‭ ‬قبل‭ ‬المصلحة،‭ ‬فكنت‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬لحظة‭ ‬نادرة،‭ ‬يتحدث‭ ‬فيها‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬بلسان‭ ‬القلب‭. ‬مقالك‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬خبرًا‭ ‬يُروى،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬درس‭ ‬في‭ ‬كيف‭ ‬تكون‭ ‬الصحافة‭ ‬جسرًا‭ ‬إلى‭ ‬الفهم،‭ ‬وكيف‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المسافات”‭.‬

‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬ينتهي‭ ‬الصديق‭ ‬من‭ ‬تعليقه‭ ‬الكريم،‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬منحتني‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬العفوية‭ ‬وأنا‭ ‬أسألهم‭ ‬العبر‭ ‬من‭ ‬لقاءات‭ ‬المختلفين،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬المتباعدين‭ ‬المبعدين‭ ‬“بأيادينا‭ ‬لا‭ ‬بيد‭ ‬عمرو”،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬جاءت‭ ‬كلمات‭ ‬المهني‭ ‬العزيز‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬ولو‭ ‬كنت‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬باطل،‭ ‬وأن‭ ‬سواي‭ ‬ليس‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬باطل‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬كذلك،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يمتلك‭ ‬كامل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وكلية‭ ‬الرؤية،‭ ‬وكمال‭ ‬المعنى،‭ ‬ونجومية‭ ‬الحرف،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬بمقدار‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬العين‭ ‬المجردة‭ ‬التي‭ ‬ترى،‭ ‬لا‭ ‬ترى،‭ ‬وأن‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬المجهر‭ ‬أو‭ ‬التليسكوب‭ ‬الرقمي‭ ‬الفلكي‭ ‬يسهل‭ ‬علينا‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬مقبلون‭ ‬عليه‭ ‬لكي‭ ‬نراه‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬وأعمق‭ ‬أثرًا،‭ ‬فنؤمن‭ ‬به‭ ‬وكأننا‭ ‬لم‭ ‬نؤمن‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ونتحرى‭ ‬عليه،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أننا‭ ‬نشك‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬اختطفتنا‭ ‬من‭ ‬هول‭ ‬الكتابة،‭ ‬إلى‭ ‬حساسية‭ ‬المواقف‭ ‬كلها‭.‬

“ليلة‭ ‬من‭ ‬السماء”‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬مما‭ ‬عودتموني‭ ‬عليه‭ ‬أيها‭ ‬الصديق‭ ‬الغالي،‭ ‬“تعليق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حدث”‭ ‬أم‭ ‬“جاءني‭ ‬البيان‭ ‬التالي”،‭ ‬لا‭ ‬يهم،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التواصل‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬المحبة‭ ‬واحترام‭ ‬الآخر،‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والفهم‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬الجدل‭ ‬العقيم،‭ ‬وأي‭ ‬جدل‭ ‬والسلام‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬شعرت‭ ‬بأن‭ ‬ختامه‭ ‬مسك،‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬ختامه‭ ‬مسك،‭ ‬وعساكم‭ ‬من‭ ‬عوادة‭.‬