خارج ذاكرة الاحتراب (1)

| كمال الذيب

 أفضت الحروب والمواجهات الدموية الجديدة، والتي يقودها الغرب بوجه خاص، إلى التشكيك مجددًا في القيم الجامعة وفي التضامن الإنساني. ومع ذلك فوحدها النظرة التاريخية في بعدها الإنساني، لا في نسخها الأكثر عزلة، يمكنها أن تُعيد الاعتبار لعالم التضامن والتآخي والتعاون بين الشعوب، بين بني البشر في لحظة تجردهم من ذاكرات الاحتراب، والتمسك - في المقابل - بما هو إنساني جامع. وحدها هذه النظرة يمكنها أن توصلنا كعرب ومسلمين إلى مواجهة تحديات الحداثة واستثمار العلاقات الكونية الجديدة المتاحة أمامنا لتحقيق النهضة المتعثرة لأكثر من قرنين، والقبول بالإنجازات التحررية التي حققتها الإنسانية كمشترك عام، بعيدًا عن تضخيم المخيال المتعلق بالاحتماء بالذاكرات وبأحداث التاريخ المؤلمة والحروب والمواجهات القديمة والجديدة التي أسالت أنهارًا من الدماء والانتهاكات حتى اليوم، والتي كدست ركامًا من الكراهية المتبادلة وعدم الثقة. وبعيدًا عن اعتبار الدين أيديولوجية قتال دائمة ضد الأعداء، وبعيدًا عن استدعاء الكراهية والتهديد بالويل والثبور، لأن هذه المنظومة إذا تم تشغيلها تفضي حتمًا إلى دوامة الاقتتال، وتغذيها على نطاق آخر سياسة الهيمنة والعدوان والانتهاك الممنهج للسياسة الغربية تجاه العرب والمسلمين، وما تولده من إحساس متزايد بالضعف والإهانة والإحباط، وما تفرزه من ردَّات فعل تتراوح بين العزلة والاحتماء بالماضي والتوحش. هذه المعادلة، بالرغم من بداهتها ووضوحها، لا تتم قراءتها على هذا النحو من قبل الغرب، أو من قبل غلاة الإسلام السياسي. فالأول يفسر تصاعد أحداث العنف بأنها نتيجة طبيعية للعوامل الداخلية الخاصة بالإسلام وبطبيعة الأنظمة السياسية القائمة. والطرف الثاني يرى في الأحداث ذاتها جولة جديدة من منازلات الحق ضد الباطل. في حين أن هذه المنازعات تستند في مجملها إلى سوء الفهم والجهل المزروع في التقاليد التاريخية والقيم التي يتم استدعاؤها لإحياء شرعيات عفا عنها الزمن، وتصور للتاريخ كاستحضار للثارات القديمة. كما أن هذه الحالة من الإقصاء وفقد التسامح لا تتيح الفرصة للأصوات القادرة على فتح الطريق أمام آفاق جديدة للفكر والمعرفة والعمل المشترك لإنهاء هذا الاستقطاب وهذه الحرب المفتوحة منذ قرون، والتي يتحمل الغرب مسؤوليتها بالدرجة الأولى. وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني