ويرحل شهر رمضان.. فماذا سيستمرّ؟
| سليم مصطفى بودبوس
لا شكّ أنّ شهر رمضان الكريم استثنائيّ بكلّ المقاييس، ولا شكّ أنّ جوانب عديدة تستيقظ فينا بعد أن أصابتها غفوة أو إغماءة أو ربما سبات عميق طيلة شهور، ثمّ يأتي رمضان لِيُحيي فينا ذواتنا المفقودة والمسلوبة بفعل طاحونة الشيء المعتاد في أيّامنا الأخرى من السّنة. يأتي رمضان ويكسر النّسق في جميع المستويات التعبدية والاجتماعية والاقتصادية، في سلوكنا وعاداتنا، في علاقتنا بذاتنا وعلاقتنا بالآخرين.. لكن لكلّ بداية نهاية، وهاهو شهر رمضان المعظّم للعام 1446هـ يودّعنا تاركا في أعيننا عَبْرة، وفي أنفسنا حسرة وفي قلوبنا عظة وعِبرة، وها نحن ندعو الله أسوة بالنبي ﷺ أن يبلّغنا رمضان القادم، وإلى ذلك الحين ماذا يمكن أن يستمرّ فينا من رمضان الكريم؟ عبادة الصوم تجعلك في علاقة مباشرة بخالقك، إنها طاعة عنوانها مراقبة الله تعالى فقط للإنسان، أو هي بالأحرى مراقبة ذاتية يستحضر الإنسانُ ربّه في كل لحظة؛ فإذا كانت العبادات الأخرى تقع تحت مجهر الآخر بشكل أو بآخر، فإنّ عبادة الصيام خالصة لوجهه الكريم؛ لذا فهي تقوم على مبدأ المراقبة الذاتية، وقد ترتقي بأعمال الإنسان إلى درجة الإحسان: (أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك). في رمضان يزداد الرقيب الداخلي توهّجًا وتتضاعف مراقبتك لذاتك فتشعر بقوّتك بإنسانيّتك بتميّزك الحقيقي وقدرتك على مجابهة الشهوات، فيحملك ذلك على أن تحفظ الله تعالى في كل لفظة وكل لحظة وكل خطوة.
رمضان مدرسة أبرز دروسها درس الرقابة الذاتية، وهي من أشدّ لحظات العبادة قربًا إلى الله، إنها حالة وجودية خاصة لا تحلو إلا لمن حلّ فيها واستشعرها. بهكذا معنى يجب أن يستمرّ فينا رمضان؛ فنحن بحاجة إلى هذه المراقبة الذاتية طيلة السنة لا لشهر واحد فقط، نحن بحاجة إلى أن تكون كل عباداتنا وأعمالنا مفعمة بروح رمضان، بروح المراقبة الذاتية والعمل الخالص لوجه الله تعالى.. جميل أن ينضبط أغلب الموظفين في رمضان، وجميل أيضًا أن تتضاءل حالات الغش في رمضان، ورائع أن تكثر الصدقات وأن تتكاتف فئات المجتمع بشكل واسع في رمضان.. والأجمل أن تستمرّ معنا بعد رمضان. فماذا لو يستمرّ فينا رمضان بهذا المعنى؟ ماذا لو استحضرنا، في باقي أيّام السنة، عينَ الله التي تراقبنا كما نستشعرها في رمضان؟ ماذا لو تستمرّ فينا حالة الراقبة الذاتية؟ ماذا لو شعرنا بأنّ الله منّا قريب، علينا رقيب؟ ماذا لو قمنا بـ (رمضنة) باقي أيام السنة؟ نعم يرحل رمضان، فهل تستمرّ فينا روح رمضان؟ هل تستمرّ معنا وفينا حالة السلام الداخلي والمصالحة مع النفس الأمارة بالخير؟ هل تبقى فينا حالة الرقابة الذاتية التي توهّجت وصمدت معنا شهرًا كاملاً؟ هل تستقرّ فينا شهورًا مديدة أم ستعود حليمة إلى عادتها القديمة؟.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية