جبر الخواطر

| سليم مصطفى بودبوس

  كل منّا يسعى إلى المصالحة مع ذاته ومع المقرّبين جدًّا منه لتحقيق ما صار يعرف اليوم بالسلام الداخلي عسى أن ينعكس نوره على من حوله وتتضاعف معه هرمونات السعادة ويصبح الواحد منا حالة إيجابية تؤثّر نعيمًا وهناءً في الآخرين. تأتي هذه الأفكار المنتشرة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي في سياق انغلاق العديد من الناس على أنفسهم بعد تجارب اجتماعية أو عائلية فاشلة أو على الأقل غير ناجحة تمام النجاح.. لكن هل الانغلاق على الذات والانسحاب هو الحلّ الأفضل دومًا؟  خلقنا الله شعوبًا وقبائل لنتعارف، وحثّنا على التّنافس في التّقوى ليبرز الأكرمون منا، ويكونون فيضًا روحيًّا وماديًّا ينشرون حولهم مبادئهم وأفكارهم فيستفيد منها المجتمع.. البعض منا تألّم كثيرًا وذاق ويلات التواصل الاجتماعي: الواقعي والافتراضي، وانكسر قلبه.. لذا تراه يفضّل أن يكون شمعة مضيئة داخل غرفة مغلقة محدودة الأفراد تذبل يومًا بعد يوم بفعل الاحتراق وتناقص الأكسجين ثم تتلاشى. والبعض الآخر يريد أن يكون قمرًا يضيء ظلام هذا الكون وشمسًا تنير حيثما كانت، ويتجدّد نوره مع الأيام يحمل في قلبه ويتجلى في سلوكه شِعارُ “أَسْعَدُ النّاسِ مَنْ يُسْعِدُ النّاسَ” إلى ما شاء الله أن يعيش.. ثم يرحل ويترك طيب الأثر وذكرى تجعله خالدًا في قلوب من عرفه. فماذا يختار العاقل؟ أَيكون شمعة محدودة في الزمان والمكان والتأثي؟ أم قمرًا منيرًا وشمسًا مشعّة لا ينطفئ لها نور؟. حين تختار ذاتك فأنت ترضي جانبًا أصيلًا فيك وحقًّا طبيعيًّا على نفسك، بينما حين تجبلها على إسعاد الآخرين فأنت ترضي ذاتك وتشعر بسعادة تفوق كل سعادة، تشعر أحيانا بأنك ملاك بعثك الله لتضع أثرًا، لتطبع الكون ببصمتك، لتكون أنت البسمة حين أراد الآخرون أن يكونوا لعنة.  وها نحن اليوم بين يَدَيْ رمضان، شهر المحبة والسلام، شهر فضيل تتضاعف فيه الطاعات، فهل أفضل من كلمة طيبة أو ابتسامة/‏صدقة في وجه أخيك، أو إحسان تكفل به مسكينًا أو فقيرًا أو يتيمًا.. وهل أفضل من جبر الخواطر في هذا الشهر الكريم؟ هل أفضل من رأب الصدع وجمع الشمل بين الأهل والأقربين؟ هل أجمل من أن تمنح السعادة لنفسك والآخرين. هذا رمضان يدعوكم للتسامح، لصلة الرحم، لنداء الواجب، لجبر الخواطر، ويمنحكم فرصة أخرى لجَسْرِ كلّ الفجوات مهما كانت الخلافات.. فهل من مستجيب؟.

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية