ترامب وإيران.. معضلة الخيار الثالث!
| أحمد جعفر
مع عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض مؤخرا، وجد الرئيس الأميركي نفسه أمام معضلة معقدة في التعامل مع ملف إيران النووي بعد وصول طهران إلى مستوى عالٍ من تخصيب اليورانيوم يقترب من عتبة إنتاج القنبلة النووية. فبعد رفض طهران غير المباشر للدخول في مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة من خلال تصريحات المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي صاحب القول الفصل في البلاد، أصبحت الكرة الآن في ملعب ترامب الذي سبق له القول لشبكة “فوكس نيوز” إن هناك طريقتين للتعامل مع إيران: المفاوضات أو العمل العسكري. لكن ترامب، الذي لا يميل إلى إشعال الحروب التقليدية، يواجه الآن تعنتا إيرانيا في الذهاب لطاولة المفاوضات من جهة، وضغوطا إسرائيلية تدفع نحو عمل عسكري يستهدف المنشآت النووية من جهة أخرى، بالإضافة إلى موقف خليجي متحفظ على أي تصعيد قد يجر المنطقة إلى صراع طويل الأمد في ظل دفء العلاقات التي جاءت بعد اتفاق بكين بين الرياض وطهران. ولطالما كان ترامب متشددا تجاه إيران، فقد انسحب بالعام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد باراك أوباما وفرض “أقصى الضغوط” عبر عقوبات خانقة، لكنه تجنب العمل العسكري المباشر حتى عندما تعرضت المنشآت النفطية في بقيق وخريص لعمل تخريبي بأسلحة إيرانية الصنع بالعام 2019؛ ما أدى حينها لخفض إنتاج النفط العالمي بواقع 5 بالمئة.
اليوم، ومع تصاعد التوترات بعد إعادة حملة الضغوط القصوى التي يتبناها ترامب، وكان آخرها إلغاء البيت الأبيض لإعفاء كان يسمح للعراق بدفع مستحقات إيران مقابل استيراد الغاز الطبيعي لإمداد شبكة الكهرباء المتهالكة لديهم، يبقى السؤال المطروح: هل سيغير ترامب استراتيجيته في ولايته الثانية ويستخدم القوة ضد إيران، لاسيما أن الأخيرة تلقت ضربات موجعة بخسارتها سوريا وضربات إسرائيل الموجعة ضد “جوهرة تاج” مشروعها المتمثل في حزب الله اللبناني؟! إسرائيل، التي تخشى تعاظم القدرات النووية الإيرانية، تضغط منذ سنوات من أجل شن عمل عسكري يستهدف المنشآت النووية الإيرانية، خاصة بعد ضربتها ضد إيران التي دمرت معظم أنظمة الدفاع الجوي التي تمتلكها طهران. ومع ذلك، فإن أي ضربة عسكرية على إيران وإن كانت مجرد “عملية جراحية” محدودة، قد تؤدي إلى رد إيراني واسع النطاق؛ ما قد يشعل حربا قد تمتد من الخليج إلى العراق واليمن وحتى لبنان. على الرغم من أن ترامب ليس دبلوماسيا تقليديا، فإنه قد يرى أن العودة إلى طاولة المفاوضات بطريقة مختلفة قد تكون أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة. وخلال ولايته الأولى، أبدى قطب العقارات استعداده للتفاوض مع طهران “دون شروط مسبقة”، لكنه ربط أي اتفاق جديد بتغييرات جذرية في سلوك إيران، وهو أمر رفضته طهران بشدة. أما خامنئي فقال الأسبوع الماضي إن الدعوات الجديدة إلى المفاوضات من قبل ما وصفه بـ “الدول المستبدة” تهدف إلى السيطرة على الآخرين، وليس حل القضايا، وهذا التصريح يرقى إلى رفض واضح للتعامل مع الولايات المتحدة حتى وإن كان ذلك بشكل غير مباشر كما حدث على مدى أشهر العام 2021 خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن. وفي ظل تشدد المرشد الإيراني وعدم ثقته في واشنطن بعد انسحابها من الاتفاق السابق، تبدو فرص إبرام اتفاق جديد ضئيلة، إلا إذا قدمت إدارة ترامب الجديدة حوافز كبرى مثل تخفيف العقوبات أو ضمانات بعدم الانسحاب مجددا، وهذا لم ولن يحدث. أما دول الخليج العربية، التي تضررت من التوترات المتزايدة بين واشنطن وطهران، تفضل الحلول الدبلوماسية على التصعيد العسكري. فالحرب في المنطقة، سواء كانت محدودة أو مفتوحة، ستؤثر على أمن الطاقة والتجارة العالمية، كما تهدد استقرار هذه الدول التي اتجهت إلى التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل. السعودية والإمارات، رغم مواقفهما الحازمة ضد إيران، تدركان أن أي صراع مباشر سيكون مكلفا اقتصاديا وعسكريا؛ ولذلك تدفعان باتجاه حل سلمي يضمن استقرار المنطقة دون الدخول في مغامرات عسكرية غير محسوبة. قطر هي الأخرى ترفض الحلول العسكرية خاصة بعد تصريحات رئيس وزرائها مؤخرا مع المذيع الأميركي تاكر كارلسون. في النهاية، يظل الخيار العسكري عملا محفوفا بالمخاطر، وقد يجر المنطقة إلى دوامة من العنف لا أحد يستطيع التنبؤ بعواقبها، وهنا لا يلوح أي خيار ثالث في هذا الملف يوازن بين الضغوط التي تواجه مختلف الأطراف؛ ما قد يجعل الأسابيع المقبلة أكثر سخونة في منطقة لا تعرف الهدوء والاستقرار طويل الأمد.