قراءة في تحولات السياسة الأميركية (1)

| كمال الذيب

بدا الأوروبيون وكأنهم متفاجئون من مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مشروع وقف الحرب الروسية - الأوكرانية، مع أن برنامج الرئيس الأميركي كان واضحًا ومعلنًا حتى قبل وصوله البيت الأبيض. فاستبعاد أوروبا من أية مفاوضات مع روسيا في المرحلة الأولى كان معلنًا؛ بسبب أن معظم الأوروبيين يرفضون مطلقًا التفاوض مع روسيا إلا في حال إلحاق هزيمة استراتيجية بها بالقتال والعقوبات.ولذلك، ونتيجة لما شهدته العلاقات بين موسكو وواشنطن خلال فترة وجيزة من تحولات سريعة نحو التطبيع وإعادة تأسيس البعثات الدبلوماسية وتعيين فرق للتفاوض على إنهاء الحرب، أُصيب الأوروبيون بالهلع، بالتزامن مع تهديدات ترامب بالتراجع عن التزامات واشنطن الدفاعية تجاه أوروبا. وجاء تنادي الأوروبيين إلى اجتماعات ميونيخ ولندن كرد فعل فوري (ضمن الخطة ب)، فطفت على السطح التباينات وردود الأفعال وظهرت الحلول الأوروبية البديلة لضمان استمرار الحرب، وعدم التنازل أو التراجع أمام الرئيس بوتين، خصوصًا بعدما تبيّن خطأ الاعتقاد بأن مبادرات وتصريحات الرئيس ترامب هي مجرد شعارات سريعًا ما سيتخلى عنها، إذ تُبيّن أية قراءة جادة وأي فهم موضوعي لما يعلن عنه ترامب أو نائبه أو حتى وزير خارجيته، ليس بالونات لجس النبض، إنما مؤشرات عن تحول كبير في السياسة الأميركية في إطار ما بات يسمى بـ “الترامبية”! لقد كان واضحًا أن الرئيس يحاول التحرر تدريجيًّا مما رتَّبَه لوبي العولمة على أميركا من أعباء اقتصادية وسياسية وعسكرية، في مقابل استفادة أوروبا من تحمل أميركا هذا العبء الكبير؛ للتخفف من أعبائها العسكرية وتوجيه مواردها لخدمة شعوبها وتطوير بنيتها التحتية.

في حين ظلت الولايات المتحدة الأميركية - التي يحكمها المجمع الصناعي العسكري ولوبي العولمة - تعاني بسبب ثقل المسؤولية والتكلفة العالية التي تتحملها نيابة عن الأوروبيين وغيرهم. ويستخدم لوبي العولمة وقوى الدولة العميقة داخل الولايات المتحدة، حاليًّا، كل ما في وسعه لضرب هذا التوجه دفاعًا عن صناعة السلاح وتوريط أميركا في مزيد من الحروب، وللإبقاء على قوة هذا اللوبي الذي يقاتل من أجل الإبقاء على هيمنته على العالم غير عابئ بمصلحة الشعوب والمخاطر التي تهدد السلام العالمي. وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني